السوريون يقودون سيارتهم بحذر امام كاميرات المراقبة التي تحولت مصدرا لدخل الخزينة الرسمية



دمشق - جوني عبو - لم تعد حركة السيارات في سوريا كما كانت يشوبها الطيش في احيان كثيرة والسرعة والفوضى في معظم الاحيان لكن أمورا كثيرة ظلت منتشرة لها علاقة بغياب فن الذوق او استخدام الابواق او التجاوز يمينا أو يسارا دون استخدام الشارات الضوئية .


كاميرات مراقبة السيارات ساعدت على ضبط حركة المرور فى سوريا
كاميرات مراقبة السيارات ساعدت على ضبط حركة المرور فى سوريا
فقد بدأت حركة السير في دمشق تنحو منحى مختلفا عن حالتها المعهودة والتي كانت تتسم بالسرعة الفائقة والتهور في آناء الليل وأطراف النهار من سيارات زجاجها مسود ولوحاتها المرورية بالكاد تظهر .

ومع قانون المرور الجديد في سوريا بدأ زوار دمشق الذين يأتون إلى العاصمة السورية عن طريق المطار يجدون أن حركة السير على أوتوستراد المطار تختلف عن زياراتهم السابقة من حيث السرعة و نسبة الحوادث وعدد الضحايا لكن غياب اللافتات المرورية التي تدلل على اعمال الحفريات اودى بحياة العشرات في الشهرين الاخيرين .

وتقول إيمان الباشا وهي سيدة سورية تقيم في الرياض وجاءت إلى دمشق في زيارة مؤخرا إنها كادت تشك في نفسها وهي ترى السيارات الحافلات تسير بسرعة معتدلة لم تتجاوز الـ 100 كم/ساعة.

تضيف السيدة السورية المغتربة مع عائلتها : كنت أحلم أن أرى تنظيما راقيا لبلدي في مجال المرور والسير أسوة بدول الخليج مثلا , اليوم افرح كثيرا لان نسبة الفوضى والحوادث تراجعت نسبيا لكننا لكي نتخلص منها نهائيا تحتاج بلدنا سوريا إلى بنية تحتية خدماتية جيدة إذ أن وجود قانون حديث وصارم وحده لا يكفي .

وتضيف أن السبب بسيط " فقد قررت السلطات السورية زرع كاميرات رادار لمراقبة سرعة السيارات تقوم بتصوير السيارات المخالفة وفرض غرامة مالية باهظة عليها". إلى ذلك، أقامت سلطات المرور في دمشق والمدن الرئيسية الأخرى لافتات تحذر من أن الطرق مراقبة بالرادار، ولافتات أخرى تحدد السرعة القصوى للسيارات بأنواعها لكن ذلك يحتاج لتنوع في مسارات الطرق الرئيسة .

وتتراوح السرعة المسموح بها في العاصمة السورية من الحد الأدنى 45 كم/ساعة إلى 80 كم/ساعة على الطرق السريعة والى 110 كلم في الساعة على الطرق الخارجية للسيارات الصغيرة وسرعة 90 كلم في الساعة للباصات والشاحنات الكبيرة.

وتم نشر الكاميرات بشكل واضح وليس بشكل مخفي، وذلك لأن "غاية هندسة المرور ليست اصطياد المواطن وتكبيده بدفع قيمة المخالفات كما يقول العميد في سلك المرور فواز الفحل ، بل بهدف توعيته والوقاية من الحوادث والأخطار التي تسببها السرعات الزائدة " .

وبررت وزارة الداخلية السورية في تصريحات صحفية لها اعتمادها هذا الأسلوب بأن السرعة الزائدة هي السبب الرئيسي والمباشر لـ 90 بالمئة من اجمالي حوادث السير لذلك كان لابد من اعتماد نظام الكاميرات الثابتة والجوالة المحمولة كأحد اساليب معالجة هذا النوع من المخالفات فالكاميرا المحمولة عندما تنصب في احد الشوارع عملها يكون دقيقا وموثقا وبالتالي نظهر للسائق المخالفة التي ارتكبها في سيارته مع زمنها ومكان حصولها.

لكن عددا كبيرا من السوريين الذين كانوا يصطفون أمام إدارة المرور السورية في حي باب مصلى الدمشقي أكدوا أن كاميرات المراقبة هذه غير منصفة فهي تلتقط صورا لكل السيارات التي تظهر بالقرب من السيارات المسرعة فعلى سبيل المثال إذا كانت سيارة بسرعة مئة كلم في الساعة وسيارة تسير بسرعة 60 كلم فإن المخالفة تشمل السيارتين لانهما ظهرا في اطار صورة واحدة .

يقول محمد الحوري والعرق يتصبب من جبينه نتيجة الزحمة أمام شباك دفع المخالفات وهو سائق سيارة خاصة بإحدى الشركات "أنا بطبعي لا أسرع وأعمل لدى شركة صغيرة من عدة سنوات عندما توظفت لديهم كان شرطي الرئيس أن لا أكلف بمهام تتطلب سرعة زائدة لانني متقدم في السن أولا ولان الطرقات والبشر لا يساعدان على السرعة ورغم ذلك قيل لي عند ترسيم السيارة إن هناك مخالفتي سرعة بحقي وهو أمر غير عادل ".

لكن مصادر في وزارة الداخلية قالت انه "تم برمجة نظام كاميرات المراقبة المرورية الثابتة الموزعة على امتداد الشوارع الرئيسية في دمشق وريفها بحيث لا تلتقط مخالفة السرعة الزائدة إلا بعد تجاوز السرعة المحددة بعشر درجات أي أن الكاميرا تلتقط مخالفة للآلية التي تصل سرعتها إلى 70 كيلو مترا بالساعة على طريق محدد السرعة ب 60 كم وأن الكاميرات تستطيع تحديد السيارة المسرعة.

وأضاف المصدر أن الهدف من ترك مساحة للامان بمعدل تسع درجات هو لعدم شعور السائق بالتوتر أثناء القيادة والتخفيف من الضغط النفسي لدى السائقين خشية الوقوع في المخالفة مشيرا إلى أن نظام الكاميرات الجديد جاء منسجما مع خطة محافظة دمشق لتأمين وسائل السلامة المرورية على الطرق لتخفيف الحوادث وتوثيق وضبط المخالفات الخطرة باعتبار أن أغلب الحوادث تحصل نتيجة السرعة الزائدة وتجاوز الإشارات المرورية.

ولكن مخالفات تجاوز السرعة المحددة التي تضبطها كاميرات المراقبة الجديدة تشطب في حال كانت المركبة المخالفة تقل حالة اسعافية على أن يبرز السائق ما يثبت ذلك من خلال احضاره ورقة مختومة من المشفى تبين انه كان يقل مريضا في حالة اسعافية وهو الامر الذي اعتبره البعض بابا جديدا للفساد.‏

وقال قائد شرطة المرور في مدينة دمشق في تصريح للإذاعة السورية إن آثار تطبيق نظام المراقبة بدأت تظهر مباشرة، حيث انخفض عدد الوفيات نتيجة حوادث المرور في شهر تموز/ يوليو إلى أربعة قتلى فقط، مقارنة بثمانية أشخاص في شهر حزيران/ يونيو.

وانقسم الشارع السوري على نفسه تلقاء هذه الظاهرة الجديدة. ففيما أيد البعض القانون الجديد من أجل الحد من حوادث السير، احتج البعض الآخر على أن النظام الجديد يسبب ازدحاما في المدينة "ويقتل من الضجر."
ومال السوريون الأكبر سنا والنساء إلى الرأي الأول فيما مال الشباب والذكور بشكل خاص إلى الرأي الثاني.

ويوضح مدير ادارة مرور سوريا العميد محمد يونس عمار ان قانون السير "جزء من القانون العام للبلد وهناك عقوبات وضعها المشرع كجزاء عن افعال تمس بأمن المجتمع والناس لذلك يتم اللجوء إلى سجن المخالفين للقانون ومن هنا نقول إننا كإدارة مرور أعرف كل شارع وتحديد السرعة فيه نتيجة المعطيات الواقعية التي نعرفها ووجود مهندسين وخبراء طرق لدى ادارتنا وعلى سبيل المثال فإنه إذا خالف السائق السرعة بين 10 الى 20 كلم فان القانون يفرض عليه غرامة 4000 ليرة ( الدولار يتراوح بين 46 و 47 ليرة سورية) وحسم 4 نقاط من بطاقة النقاط واذا خالف بين 20 الى 40 كلم فان الغرامة تصل الى سبعة آلآف ليرة سورية وحسم 8 نقاط.. اذن القانون واضح بخصوص حماية الناس ومستعملي الطريق لذلك لا يمكن معاقبة السائق الذي يضاعف السرعة بنفس عقوبة السائق الذي تجاوز السرعة بنسبة بسيطة علما ان 90 في المئة من الحوادث المرورية سببها الرئيس هو السرعة الزائدة ".

وفي اجابة عميد المرور الاول في الوزارة الداخلية السورية في تصريحاته الاعلامية مؤخرا عما اذا كانت مشاكل المرور في الطرق الرئيسة الخارجية أكثر من الطرق الداخلية في المدن قال "إن لكل من الحالتين خصوصية , فداخل المدن الازدحام هو المعاناة البارزة , حيث ان السلامة المرورية بشكلها الاولي والبسيط , لكن في الطرق الخارجية فإن السلامة المرورية هي الاولوية نتيجة السرعة لان الحوادث غالبا تكون اضرارها الجسدية والمادية كبيرة جدا وهنا يمكن القول ان لكل من الحالتين اساليب وطرق متابعة ومعالجة".

وعن غياب التكنولوجيا المرورية عن الطرق الخارجية يجيب العميد عمار ان هناك كثير من دول العالم لا نجد فيها شرطي المرور لكن هذا متفاوت من بلد لآخر لان الوعي العام والتزام الناس بالقانون ووجود تكنولوجيا متقدمة يسهمان في اتمتة عمل المرور التي من شأنها منع الاحتكاك بين رجل المرور و مستخدمي الطريق .

وعما اذا كانت الاموال التي تحتسب من قيمة المخالفات تشكل دخلا اضافيا لخزينة الدولة يجيب رئيس تحرير جريدة الخبر الاسبوعية الاقتصادية يعرب العيسى , بانها تضيف تدفق اموال بنسبة جيدة للخزينة العامة لم تكن سابقا متوفرة .

ويقول منذر علي وهو شاب يعمل في شركة اتصالات خاصة لوكالة الأنباء الألمانية إن السواقة "صارت مقرفة، فإن قيادة سيارة بقوة 2800 سي سي، بسرعة خمسة وأربعين كيلو. هذا مقرف ومستحيل."

وقالت تالة الشامي وهي طالبة في إحدى الجامعات الخاصة بدمشق لـ د.ب.أ "مسكين بابا، سوف يصاب بجلطة عندما يرسم السيارة. سيدفع على الأقل خمسين ألف ليرة (950 دولار تقريبا) مخالفات سرعة , ابدو متهورة احيانا لكنني دوما مستعجلة أشعر أن الوقت يلاحقني ولا استطيع انجازي اعمالي ."

بالمقابل يرى حسين خضور وهو محامي سوري معروف للوكالة إن النظام الجديد يتماشى مع أحدث النظم في الدول المتقدمة، مضيفا: "كفانا تشفيطا وتشبيحا، فنحن نريد ان نرى سيادة القانون يجب أن ننسى قوانين الغابة."

ويقول مدير شركة المتحدة للتأمين على السيارات محمد الصعبي " إن توزع الكاميرات غير مدروس بتقديري وهو أمر يربك السائقين في كثير من الاحيان ثم ان القوانين المشابهة في الدول المتقدمة لم تفرض كاميرات داخل المدن فضلا عن أنه من غير الوارد ان تكون السرعة محددة ب45 كلم في الساعة فبعض السيارات الحديثة نسبة التسارع فيها كبيرة وهذه لم تؤخذ في حسبان قانون تحديد السرعة" .

ويرى أبو شادي، وهو سائق سيارة أجرة عمومية إنه لا يحتج على النظام الجديد "طالما يطبق على الجميع، أما أن يطبق على ناس ويستثني آخرين، فهذا غير مقبول."

وعلى هامش تطبيق نظام الرادارات والكاميرات، تفتقت أذهان قلة من "الشطار" إلى تجارة جديدة مهربة يبيعون فيها مادة (جيل) شفافة تدهن على نمرة السيارة، وبسعر يصل إلى 5000 ليرة سورية، مدعين أنها تحجب الرادارات عن نمر السيارات المدهونة بهذه المادة، فلا تعرف هوية المخالف ولا تحرر فيه مخالفة.

وقال موقع دي برس الإخباري السوري إن بعض السائقين يتحدث أيضا عن طرق وأساليب جديدة يتبعونها، ظناً منهم أنها "ستعمي" أعين الكاميرات عن نمر سياراتهم، وذلك من خلال تركيب المرايا العاكسة والأقراص المدمجة (السيدي) على مقدمة السيارة ومؤخرتها، أو من خلال أسلوب آخر يعتمد على حفظ مواضع الكاميرات والحرص على تعديها بالسرعة المسموحة، ومن ثم إطلاق السرعة بشكل جنوني بعد 100 متر عنها.

ولكن مسؤولا في شرطة مرور دمشق قال للموقع إن الكاميرات المعتمدة من قبل هندسة المرور بالغة التطور ولها قوة تكبير تصل إلى 800% وتعمل على تقنية متطورة في الظروف البيئية والعوامل المناخية المختلفة، وتستطيع التقاط أكثر من صورة للآلية المخالفة مع تثبيت تاريخ المخالفة وموقعها وسرعة الآلية والسرعة المحددة في الطريق، وهي من طراز عالمي صنعت من قبل شركة (روبت) الألمانية المتخصصة بالسلامة المرورية.

وتقول مصادر مطلعة في وزارة الداخلية السورية ان الحكومة اشترت مئات الكاميرات كما انها تعاقدت على بضع آلاف للسنوات القادمة من اجل استخدامها في معظم المدن السورية .

ويقول احمد عجم احد تجار السيارات ان كاميرات المراقبة سيف ذو حدين هي مفيدة في تحديد السرعة الكبيرة التي لم تكن مضبوطة قانونا وغير مفيدة اذا تحولت الى اداة مؤذية لجيوب المواطنين او مستعملي الطريق .

ويشكو السوريون عادة من ضعف واهتراء طرقاتهم الرئيسة و سوء هندستها المرورية وزوايا الرؤية على محاور الطرق ما يسبب العديد من الحوادث المميتة .

ويستخدم السوريون اكثر من مليون ونصف سيارة في بلد يزيد عدد سكانه عن 21 مليون نسمة فيما تعتبر نسبة الحوادث من النسب المتقدمة عالميا وتتحمل الحكومة نسبة كبيرة من اخطائها نتيجة غياب وتأهيل البنية التحتية لنظام الطرق والسير في سوريا .

جوني عبو
الثلاثاء 25 غشت 2009