المسجد العمرى بمدينة قوص المصرية ... تحفة فنية تؤرخ للفنون الاسلامية



قنا (مصر) - حجاج سلامة - تزخر محافظة قنا فى صعيد مصر بالعديد من الآثار المعمارية الإسلامية وتشتهر بمجموعة رائعة من المساجد والمآذن التاريخية التى تعد نموذجا للعمارة الاسلامية وفنونها، بجانب تفردها بعدد من المساجد العتيقة فى حالة معمارية وفنية جيدة، ويطلق على تلك المساجد التاريخية بمحافظة قنا ،المساجد العمرية نسبة إلى الخليفة عمر بن الخطاب- رضى الله عنه - الذي اصدر أوامره بإنشاء المساجد الجامعة في البلاد وعدم اقتصارها على المدن الكبيرى والأمصار، ويأتى فى مقدمة الاثار الاسلامية والمساجد العتيقة فى محافظة قنا مسجد من أكبر المساجد الأثرية بصعيد مصر وأقومها وهو " المسجد العمري العتيق " بمدينة قوص والتي تقع علي الساحل الشرقي من النيل جنوب القاهرة بحوالي 645 كم، وتبعد عن مدينة قنا بحوالي 35 كيلو مترا.


ويمثل المسجد العمري بقوص - بحسب قول الباحثة المصرية الدكتورة خديجة فيصل مهدى - قيمة دينية وأثرية وتاريخية حيث يعد أقدم مسجد بالمدينة لذا يطلق عليه المسجد العتيق وأكبرها مساحة حيث تبلغ مساحته 4000 متر مربع ويتسع لأكثر من ثلاثة آلاف مصل ويعد من أندر المساجد الأثرية المعلقة حيث ترتفع واجهته الأمامية ثلاثة أمتار عن الأرض بينما يصل ارتفاع خلفيته إلى أربعة أمتار لذا استخدم المسجد كروابط حربية لوقوعه على ربوات عالية جعلت منه مكانا للاستطلاع والاستكشاف بجانب كونه مكانا للعبادة تؤدى فيه الصلوات ، لذا كان للمسجد استخدامات دينية وحربية أيضا لنصرة الاسلام.

وتشير الباحثة الدكتور خديجة فيصل مهدى ان آراء المؤرخين تتباين حول تاريخ إنشاء المسجد فمنها ما يؤكد أن تاريخه يعود إلى الفتح الإسلامي، وهذا هو سبب تسميته بالمسجد العمري نسبة إلى عمرو بن العاص بينما الآراء الأخرى وهى الراجحة تحدد هذا التاريخ بعام 550 هجرية وأن بناه طلائع بن رزيك حين كان واليا على قوص في العهد الفاطمي وفى عام 1233 هجرية قام محمد بك قهوجي كاشف قوص بعمل ترميمات وتجديدات في إيوان القبلة أفقدت المسجد الكثير من سماته ومعالمه الأصيلة.

وفى السنوات الأخيرة تم الانتهاء من ترميم الجامع العمري بقوص بمشروع ترميمي ومعماري دقيق ومتكامل حيث أن هذا المسجد يعتبر من أكمل المساجد العمرية الباقية بكافة عناصرها المعمارية ، وافتتح أمام المصلين والزوار.

وترى الدكتور خديجة فيصل مهدى فى دراسة لها عن تاريخ المعالم الاسلامية بصعيد مصر أن أهم روائع الفن الإسلامي في هذا المسجد " المحراب المحصى" والذي يقع في منتصف البائكة الثالثة في إيوان القبلة ويعود تاريخه إلى العصر المملوكي وقد زخرفت واجهته بزخارف جصية قوامها وحدات نباتية وهندسية بديعة التكوين تشبه زخارف زاوية زين الدين يوسف بالقاهرة وكذلك المحراب المملوكي في جامع عمرو بن العاص ويحيط به كتابة بالخط الثلث المملوكي نصها " إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر" كما كتب حول قبة الممرات قوله تعالى " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها " ويزينه عمودان لهما تيجان كما زينت جوانبه بحشوات من الخشب تتخذ أشكالا هندسية من مثلثات ومخمسات ومسدسات ومثمنات تم تعشيقها مع بعضها البعض وكتبت على واجهته آية الكرسي ويطلق عليه أيضا المحراب المحصى لأن واجهته تمت زخرفتها بالحصى البنائية والهندسية.

ومن الأجزاء الهامة بهذا المسجد " القبة " الموجودة في الركن الشمالي الشرقي وتقوم هذه القبة على أربعة عقود يعلوها في الأركان صفان من المقرنصات التي تحول المربع إلى شكل ثماني فيصبح الشكل الخارجي للقبة مضلعا وبها فتحات سداسية. وقد شيدت القبة في عصر مبارك بن كامل بن مقلد بن على بن نصر عام 568 هجرية كما هو مثبت في اللوح الرخامي في نهاية الجدار الشرقي.

ومن التحف الأثرية الموجودة داخل المسجد أيضا " المنبر الخشبي " وهو على جانب كبير من الأهمية لأنه من أقدم منابر مصر الإسلامية المؤرخة وتحفه من التحف الفاطمية، وقد عمل هذا المنبر على يد الملك الصالح عام 550 هجرية / 1156- 1157م. ويتكون من لوحتين وصدر من خشب الساج الهندي المحفور حفرا بارزا والمزخرف بالحشوات المجمعة المعشقة التي بدأت تظهر في القرن السادس الهجري أي أواخر العصر الفاطمي تلك الحشوات عليها زخارف المراوح النخيلية وعناقيد العنب وعليه نص قرآني.

وجاء في كتاب الفن الإسلامي للدكتور محمد عبد العزيز " منبر الجامع العمري بقوص من أروع التحف الخشبية التي يظهر فيها جمال طريقة التعشيق الذي أمتاز به العصر الفاطمي ويشبه هذا محراب السيدة رقية والسيدة نفيسة". ويوجد أيضا "كرسي المصحف" وهو مصنوع من الخشب المصنوع بطريقة الحشوات المجمعة ويحيط بالكرسي من أعلى شريط كتابي بالخط النسخ البارز علية آية الكرسي و أمر بصناعته الأمير عزالدين خليل الملكي الناصري. ويوجد بالمسجد العمري كذلك " المقصورة " والتي تقع في النهاية البحرية للبائكة الرابعة والخامسة من إيوان القبلة مصنوعة من الخشب الخرط تزدان بزخارف الحشوات الخشبية المحفورة وبابها مزين بحشوات سداسية من الخشب وزخرفت بأشرطة علوية وسفلية من نفس الخشب.

من هنا قام المسجد بدور كبير في نشر العلم حيث يعد أقدم مدرسة في صعيد مصر قاطبة ، الأمر الذي جعلهم يطلقون عليه " أزهر الصعيد" في ذلك العهد فكان يفد إليه العلماء من شتى البقاع وتواكب عليه كثير من العلماء والأئمة والخطباء من أشهرهم الشيخ محمود السيد الذي مكث إماما للمسجد طوال أكثر من سبعين عاما. لذا يعد المسجد تحفة فنية أثرية حينما تدخل إلى ساحته يعود بك طرازه المعماري إلى القرن الرابع الهجري فسقيفته من الخشب تستند على 99 عمودا مدورا وبداخله منبر ومحراب وكرسي للمصحف وقبة تحكى روعة الفن الإسلامي إبان عصور حملت النور إلى البشرية.

وفى اطار الحفاظ على المعالم الأثرية الاسلامية تقوم سلطات محافظة قنا وقطاع الاثار القبطية والاسلامية بوزارة الاثار والتراث بمصر بإجراء عمليات تجديد وتطوير لأرضيات المسجد وذلك بإعادة فرشه بأكثر من 2000 متر من السجاد الفاخر - سنويا - الذي يليق بمكانة المسجد التاريخية والدينية، وأشار محافظ قنا إلى أهمية المحافظة على التراث المعماري الإسلامي كمورد اقتصادي وثقافي واجتماعي حي، يبرز لأجيالنا مظاهر فنية ومعمارية راقية ويشكل نسيجاً معمارياً متعدد العناصر في أصالته وجماليته وجذوره التاريخية ووظائفه المتنوعة. وذكر أن التراث العمراني الإسلامي لا تبرز قيمته العالية في جماله وروعته فحسب، بل فيما يشتمل عليه من معان وأبعاد تربوية وتعليمية . لذا تتكاتف جهود محافظة قنا في ضرورة تنسيق المواقف والجهود والعمل على تنفيذ مشاريع عملية متميزة في مختلف أنحاء المحافظة، لإبراز التراث المعماري الحضري الأصيل وربطه بالسياحة المستدامة، مع أهمية التعاون على وضع خطة استراتيجية شاملة تتبناها المحافظة بهدف الحفاظ على الأصالة والهوية التراثية.

ويقول عبد الهادي كامل مدير المتابعة الفنية للآثار الإسلامية والقبطية بجنوب صعيد مصر أنه لم تحظ أية مدينة في مصر على ما حظيت به مدينة قوص في العصور الوسطى فقد نالت قوص اهتمام العلماء والرحال والجغرافيين والمؤرخين كما جعلت المخطوطات القديمة والموسوعات العلمية والكتب الكبيرة لصفحات كثيرة من أقوالهم عنها ووصفهم لها وأنها مدينة عامرة، خيراتها كثيرة ، حافلة الأسواق ،متسعة المرافق ، كثيرة السكان يسكنها أرباب الصناع والفنون والتجار والعلماء والمدرسون وفى زمن الفاطميين علا شأن قوص وعظمت مكانتها فكانت عاصمة الصعيد ومقر الوالي ومن أهم المدن المصرية بعد الفسطاط والقاهرة فكانت قوص ثغرا هاما وميناء عظيما ومحطا للمسافرين والتجار بين الشرق والوطن العربي والأقطار الأفريقية.

حجاج سلامة
الاحد 26 أكتوبر 2014


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan