بومبي الإيطالية، درة العمارة في فيزوف تستعيد تألقها



نابولي - آثار انهيار بعض الأسوار واللوحات الجدارية لمدينة بومبي القديمة، قبل بضع سنوات، عاصفة من الانتقادات من قبل المجتمع الدولي؛ حيث تحولت الجوهرة الأثرية عند سفوح جبل فيزوف، بسبب حالة من الطوارئ، التي أعلنت عنها الحكومة الإيطالية، إلى كناية عن سوء الإدارة وعدم الكفاءة والبيروقراطية، فضلاً عن كونها رمزاً لعدم الاهتمام السياسي ومكائد المافيا.


وبعد الأزمة الحادة التي عانى منها هذا الموقع الأثري جنوبي مدينة نابولي في عام 2012، يعيش اليوم إحدى اللحظات المهمة والحاسمة والتي تتميز بكم الاكتشافات المذهلة. ويقول فرنسيسكو موسكولينو، في هذا الشأن: "لقد انقضت حالة الطوارئ". يعمل موسكولينو، أحد علماء الآثار في مدينة بومبي، يجوب في الأزقة المشمسة حيث تحول الماضي إلى حاضر تكشف، من خلاله، تلك الأسقف العالية لغرف المنازل الرومانية عن أنطباع ينم عن ثراء ساكنيها منذ ألفي عام، حيث تغطي الجدران والأرضيات اللوحات الجدارية ولوحات الفسيفساء (الموزاييك) الراقية . لا يزال المحفل الروماني القديم يحتفظ ببعض الأعمدة الضحمة والصلبة للمباني الإدارية لهذه المدينة، التي ظلت مدفونة بفعل الحمم البركانية في جبل فيزوف منذ عام 79 بعد الميلاد. وقد ابقتها الحمم البركانية والطين والرماد على حالتها لم تمس لعدة قرون. يقول موسكولينو "لم يكن قاطنو بومبي على علم بخطورة بركان فيزوف. تشرف الظلال العملاقة للبركان على أطلال المدينة القديمة ولا تسبب الخوف حتى يومنا هذا. لكن البركان لايزال يمثل تهديداً". بالإضافة إلى الكولسيوم والمحفل الروماني تعد بومبي واحدة من أعظم مناطق الجذب الثقافية والسياحية في إيطاليا، حيث قام أكثر من 6ر3 ملايين شخص، عام 2018، بزيارة الموقع الأثري. قبل بضع سنوات، شاهد السائحون حالة التدهور التي عانى منها الموقع المصنف ضمن قائمة اليونسكو لتراث الانسانية. وتم إغلاق كثير من المنازل القديمة لأسباب أمنية، فقد كان هناك نقوش لاتينية غير مقرؤة تقريباً مثل النقوش المعرفة باسم (حذار من الكلاب). ولتجنب مزيد من التدهور بالموقع الأثري، تم في عام 2013 إطلاق مجموعات عمل ضمن مشروع بومبي العظيم، والذي قام الاتحاد الأوروبي بتخصيص تمويل له بلغ 105 مليون يورو (ما يقرب من 118 مليون دولار). وفقاً لمونيكا ترومبر، أستاذة علم الآثار بجامعة ألمانية الحرة (FUB)، كان ذاك المشروع يُعد تحولا كبيراً، حيث قالت: "من المتوقع أن يتضمن المشروع عملية ترميم كاملة واستعادة ممنهجة لمدينة بومبي، كما يتضمن المشروع تنفيذ لبعض الاجراءات والتدابير الآخرى". وبالفعل، في إطار ذلك المشروع، تم ترميم ستة منازل رومانية، وافتتاح تسع طرق جديدة. "والآن يمكن لجميع الزائرين أن يمروا بكافة أنحاء المدينة". في بداية العام أعيد فتح مدرسة المصارعين، التي انهارت عام 2010 وتحولت إلى رمز للحزن على حالة الإهمال التي عانت منها هذه المدينة التاريخية. لذا تم الاحتفال بانتهاء عملية الترميم على أنها إشارة لميلاد جديد أو علامة على البعث. أما حالياً فقط تم إدخال سلالم تساعد للوصول إلى كراسي متحركة وعربات صغيرة للأطفال. وقل عدد الكلاب الضالة وأصبحت هناك صناديق قمامة لفصل النفايات. كذلك تقول ترومبر، عالمة الآثار التي تقوم بالبحث في أشياء كثيرة من بينها تقاليد الاستحمام في مدينة بومبي: "كل هذا يبدو عادياً إلا أن رؤية هذا الموقع هي الأروع والأكثر متعة في حقيقة الأمر". تجدر الإشارة إلى أنه بعد عملية الترميم يقدم الموقع الأثري مجموعة من المعارض والفعاليات والأعمال المسرحية ، حيث سيتم عرض "العاصفة" لوليم شكسبير في الصيف. ومما لاشك فيه، سيتم استكمال أعمال التنقيب، كما هو الحال في منطقة ريجيو الخامس حيث تمت اكتشافات مهمة في العام الماضي. في الوقت نفسه أصبحت الحديقة الأثرية تستخدم شبكات التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك لتقديم معلومات عن مراحل التقدم الخاصة بعمليات التنقيب عن الحفريات التي تم العثور عليها وعن الاكتشافات الجديدة. كما يتضمن حساب الانستجرام الخاص بماسيمو أوسانا، المشرف العلمي للتنقيب عن حفريات منطقة ريجيو الخامس، صوراً عديدة توثق الاكتشافات الجديدة. إحدى هذه الصور تم التقاطها للوحة جدارية تُظهر جانبا من أسطورة يونانية، حيث نرى الإله زيوس على هيئة بجع يقوم بإغواء ابنة الملك ليدا. أما أوسانا، الأستاذ بجامعة نابولي فريدريك الثاني ومدير الحديقة الأثرية حتى أوائل هذا العام: "كانت بقايا الفرس المدفون خارج أسوار المدينة دون شك أكثر إكتشافات العام الماضي إثارة. كما يقول فيما يخص الرماد البركاني الذي يحوي المزيد من الكنوز: "إن الأمر سيستغرق أجيالاً لاكتشاف كل ما هو مدفون". وعليه يستنتج عالم الآثار أن ثلث مدينة بومبي، أي ما يوازي خمسة وعشرون هكتاراً من الموقع الأثري لم ير النور بعد، أي أنه لا يزال هناك ما يكفي الأجيال الجديدة القادمة. وفي الآونة الأخيرة، طلبت اليونسكو من مديري ومسؤولي الحديقة الأثرية بالعمل على صياغة استراتيجية طويلة الأمد لترميم الأطلال والآثار والحفاظ عليعا. ومن جانب آخر ينصب التركيز على كيفية إدارة تدفق السائحين، فقد يكون تدفقهم من أكثر العوامل التي تهدد الحفاظ والبقاء على مدينة بومبي. وفي هذا الصدد تقول ترومبر: "في الأعوام الأخيرة تم التغلب على العديد من المشكلات، وما يتعين علينا القيام بحله هو كيفية مكافحة ما يتسبب به مرور الوقت من بلاء، وما تخلفه السلوكيات غير المنضبطة من دمار".

لينا كليميكيت
الاربعاء 8 ماي 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث