"حرب التواصل" سلاح فعال في حروب ليبيا



طرابلس- غير بعيدٍ عن حرب البنادق التي توالت على ليبيا خلال ثمان سنين، تدور في البلاد حرب أخرى يراها البعض أشد فتكاً.


توازت بداية القصة مع أحداث الثورة الليبية عام 2011، عندما تأثر مجموعة من الشباب بما سمِّي "أحداث الربيع العربي"، ونادوا عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالخروج على نظام الحكم ... لم يكن في ليبيا مستخدمون كثر لمواقع التواصل، ولكن الخبر سرعان ما انتشر.
يقول أحد المشاركين الأوائل في أحداث الثورة الليبية لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب. أ) : "لم أكن حينها من مستخدمي مواقع التواصل، ولكن الأمر كان محفزاً لخوض التجربة، فخضتها كغيري، وعندما فتحت حساباً على "فيسبوك"، وجدت نفسي في ساحة كبيرة أتبادل الآراء مع ليبيين قد يفوق عددهم كل من عرفت في حياتي، أحسست بقوة الجمع".
يصف أحد سكان طرابلس المتحمّسين لثورة فبراير وَقْع ما كان ينشر عبر مواقع التواصل بعد انطلاق الثورة، ويقول في لهجة استغراب لـ (د. ب. أ): "لا زلت لا أعلم كيف صدقت أن الطيران الليبي كان يقصف في شباط/فبراير 2011 أحياء في المدينة التي أقيم فيها دون أن أسمع أزيز الطائرة وصوت الانفجار أو أرى دخاناً على الأقل، كان يكفي ذكر الخبر عبر الفيسبوك أو في بعض القنوات الفضائية".
ردة فعل النظام الحاكم في ليبيا كانت غريبة، فقد استهان الزعيم الليبي الراحل " معمر القذافي بمواقع التواصل في خطاب وجّهه لليبيين، ويرى معارضوه أنه مثّل دور غير العارف باسم موقع "فيسبوك"، حين سمّاه "ابوك فيس" في نبرة استهزاء.
في ذلك الوقت كانت المواقع تخفي ترسانتها السرية التي ظهرت فجأة في المعركة، كل كاميرا مثبتة بهاتف نقال كانت سلاحاً، كل ضغطة زر أرسلت خبراً عمّا يجري، أو مقطعاً مصوراً يبث على المواقع ومنها إلى القنوات العربية والعالمية، حتى تحولت الثورة الليبية إلى حربٍ طاحنة شغلت العالم حيناً، وشاركت فيها كُبرى دوله.
دارت دوائر الحرب التي يصفها بعض الليبيين بالأهلية الأولى، وانتهت، وصورت كاميرات الهواتف ونشر المدونون تفاصيل الساعات الأخيرة للقذافي. لقد انتصرت مواقع التواصل، ونالت كل الشهرة، وزاد مستخدموها عدداً مع نشوة النصر. ومع مساحة الحرية التي أُتِيحت فجأة بعد كبتٍ طويل، وجد الكل نافذةً لأفكاره.
يقول الصحفي الليبي جمال الزوي لـ (د.ب. أ): إن "مواقع التواصل الاجتماعي انعكاس لطبيعتنا البشرية، ومن هنا يأتي حدَّاها المُفيد والسيء، بحسب طريقة التعامل معها"، ويرى أستاذ كلية الإعلام بجامعة طرابلس طارق الرويمض أن "نتيجة التعامل معها خاضعة للثقافة الجمعية للمجتمع".
ويفسر مسؤول التواصل والإعلام بمجلس الوزراء في طرابلس "جلال عثمان طريقة تعامل الغالبية في ليبيا مع مواقع التواصل بعد الحرب، ويقول لـ (د .ب. أ): "إن سنين طويلة من الحكم الشمولي، لم تمنح الليبيين فرصة التعوّد على مسؤولية النشر والتحدث عبر منابر مفتوحة لها قدرة غير مسبوقة على الانتشار كمواقع التواصل، وعندما فُتِحت الآفاق فجأة، كانت على مصراعيها دون من يراقب أو يحاسب على صحة محتوى ما يُنشر، أو على تأثيره الذي قد يكون سلبياً لحد ارتكاب جرائم بسبب معلومات مغلوطة تُنشر وتُصدَّق".
ويتابع: "إعلامنا ضعيف جداً في ليبيا، وعندما لا يقوم الإعلام بدوره، ستُطبَّق نظرية الكرسي الشاغر الذي احتلته الآن مواقع التواصل، وجزء كبير من محتواها /للأسف/ يحث على العنف، ويدعو للكراهية، ويسوِّق لأخبار غير حقيقية، ويؤلب البعض على البعض، ويقول على ألسنة الناس بما لم تقله أفواههم ... لهذا نحتاج لقوانين تواكب العصر، نريد مثلاً تطبيق قانون السب في المحررات على التحرير الإلكتروني أيضاً، وليس الورقي فقط، وقس على ذلك قوانين كثيرة".
ويصر الرئيس السابق لمفوضية الانتخابات الليبية "نوري العبّار" على ضرورة إعادة النظر في التشريعات التي تحدد المسؤولية القانونية حول ما يُكتب في المواقع، وكل ما يَتبع ذلك من متابعة ومراقبة ومحاسبة، ويقول: لـ (د. ب. أ): "إن ما يُكتب في مواقع التواصل يلقى قبولاً من كثير من الناس، وهنا مكمن الخطورة، ولو كان لدينا ما يكفي للتفريق بين ما يكتب وما يجري حقاً، لما وصلنا لما وصلنا إليه".
يوافق العبّار في رأيه هذا وزير الدولةِ لشؤونِ النازحين والمهجّرين بحكومة الوفاق الوطني يوسف جلالة ، ويقول جلالة لـ (د. ب. أ) "إن الإعلام عامةً، سيف ذو حدّين، فما بالك بصيغة جديدة للإعلام نالت كل هذا الزخم السريع كمواقع التواصل، فالاستعمال السيئ والمفرط لهذه المواقع يؤثر بشكل سلبي على قضايا التهجير والنزوح، ويساهم مع غيره من العوامل في عدم وصولنا لمصالحة حقيقية تضع حداً للأزمات المتلاحقة، وتنهي الحرب".
الواقع لا ينفي هذا الكلام، فبعد نهاية الحرب الأولى في ليبيا عام 2011؛ لم يشغل الحديث عن المصالحة الوطنية مواقع التواصل بقدر ما شغلها التحشيد للحرب الثانية.
في مطلع 2014 كان الاستعداد على أشده، ليس في ساحات القتال على الأرض فقط، بل في واقع افتراضي عبر صفحات التواصل، كل أصناف الشتائم وتهم الخيانة جُهِّزت وسبق إلصاقها بالخصوم، ولم يبق إلا تجهيز السلاح ودق الطبول ... كُثًرٌ كانوا على يقين بقرب الكارثة، وكان يكفي الاطلاع على بعض الصفحات المشهورة لتدرك أن الفريقين المتصارعَين على السلطة عام 2011 صاروا ثلاثة، ثم أربعة وأكثر، في معادلة تصاعدية كان الاصطفاف عنوانها بنكهات أيديولوجية وسياسية وقبلية ومناطقية ... لم يعلم أحد تاريخ اندلاع الحرب، ولكن المعلوم أن بعض الصفحات قامت بالعد العكسي.
في منتصف 2014 اندلعت الحرب الأهلية الثانية "كما يصفها البعض"، وكان ما بعد هذا التاريخ أشد قسوةً على ليبيا مما قبله، نالت الحرب من البلاد التي تتوسَّط العالم وتسبح فوق بحيرات البترول ... انقسم الغرب الليبي بشبه دولةٍ، والشرق بشبه أخرى، وغرق الجنوب في رمال الصحراء الكُبرى بعد أن أنهكته حرب القبائل، وبعض مواقع التواصل كانت تستعد للمزيد.
في الفترة بين عامي 2011، و2018، توالت نفس الأحداث في ليبيا وتكررت بذات الترتيب ، من الحرب إلى الهدوء، ومن ثم التحشيد والعودة للحرب مرة أخرى، وهنا يتفق كل من حاورتهم وكالة الأنباء الألمانية، ويقول جمال الزوي: هذا صحيح لو كان حديثنا عن حرب البنادق، ولكن قصة "حرب التواصل" في ليبيا لم تهدأ أبداً لكي تستعر من جديد.

 

أشرف العزابي
الخميس 27 سبتمبر 2018


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan