عيون المقالات

عن كذبة حب الثقافة

03/03/2021 - ياسر الأطرش

نساء في غرفة فرجينيا وولف!

03/03/2021 - طالب الرفاعي

شهادة ميلاد بوذا

02/03/2021 - د.نجم عبدالكريم

مرونة الدماغ وعاداتنا

02/03/2021 - د. محمّد النغيمش

محمد بن سلمان يخذل الشعب السعودي.. لقد حان أوان رحيله

01/03/2021 - سارة لي ويتسن وعبد الله العودة

اللاواقع السوري

26/02/2021 - فوّاز حدّاد

حل قريب في سورية؟

24/02/2021 - ميشيل كيلو

محمد الماغوط.. شاعر الفرادة

22/02/2021 - بشير البكر

في الأدب الإريتري المكتوب باللغة العربية

22/02/2021 - عبد العزيز بركة ساكن


خصوصيات الترجمة الأدبية




الترجمة أداة للتواصل بين الأمم والشعوب، يتم بواسطتها التعرف على ثقافة الأخر، وعلى علومه وفنونه . يقول د.جابر عصفور "نحن نحتاج إلى عصر ترجمة جديد لأن الترجمة هي البوابة الذهبية للعبور إلى العالم الحديث والمتقدم نحن أمة متخلفة ، ولن نتجاوز تخلفنا إلا بمجموعة أشياء على رأسها الترجمة التي تجعلنا على علم بما نقرأه الترجمة تمكن من الإسهام في حركة العالم من حولنا إننا نتكلم عن هذه الحركة اليوم بمجرد كلام ولكن لم نوفر لها الدعم المالي والتخطيط المناسب (1) زما تحدد الترجمة انطلاقا من الإشكاليات الأساسية: غرابة التركيب اللغوي ،صعوبة ترجمة الصور، تعذر نقل الإيقاع ،والأوزان الموسيقية.


 
 غرابة التركيب اللغوي:
    من المعروف أن مسار الكتابة الأدبية على المستوى النحوي والتركيبي يسير دائما في اتجاه معاكس للتراكيب اللغوية والنحوية السائدة في الخطاب العادي، لذا يكون خرق المألوف في هذا المجال أحد دعائم التركيب الأدبي. "وقد بنى جاكبسون تصوره للخاصية النحوية المتميزة في الشعر على أفكار الشاعر الفرنسي بودلير ، ورأى أن إعادة توزيع المقولات النحوية في الشعر وخلق التناظرات وعلاقات التضايف بين المقاطع والعروض تكون مسؤولة إلى حد كبير من خلق الخاصية الشعرية"(2) وقد قال في هذا الصدد مشيرا إلى رأي بودلير وقد سبق لبودلير أن أجاب عن ذلك مسجلا (إدغر ألان) " إن الاطراد والتناظر يشكلان حاجة من الحاجات الأولية للذهن الإنساني ،كما أن المنحنيات المشوهة بلطف والتي تبرز على أرضية هذا الاطراد اللامتوقع تشكل بدورها جزءا جوهريا من المفعول الفني، أو بعبارة أخرى الثابت الضروري لكل  جمال لكن علمنا قد وظف منذ حوالي سبعين سنة هذا  في الشعرية توظيفا واسعا تحت تسميتي التوقع الخائب أو الانتظار المحبط(3) .
ليست البنية التركيبية والنحوية للغة الأدبية مجرد بنية مضبوطة القواعد، وهي لذلك لا تحتاج من المترجم فقط أن يكون ضابطا للنحو والتركيب ليجد لها مقابلات مماثلة في اللغة التي يريد أن ينقل إليها النص الأدبي، فالتركيب والنحو ليسا سوا مظهرين من مظاهر اللغة الأدبية، ولذا يلزم أن يكون المترجم قادرا على استيعاب أنواع الخرق والعدول وتكسير اللغة ، وبعد ذلك عليه أن يحاول البحث عن صيغ نحوية وتركيبية جديدة تكسر المعيار حتى في اللغة التي ينقل إليها النص، ومعنى هذا أن عليه أن يكون ذا مؤهلات إبداعية، وقدرة كافية على المساهمة المباشرة في الكتابة النحوية الأدبية رغم أن مهمته الأولى هي ترجمة نص من لغة إلى أخرى .
 صعوبة ترجمة الصور:
    المشكلة الثانية الأساسية في الترجمة الأدبية كامنة في نقل الصور من لغة إلى أخرى ."فإذا كانت هناك إمكانية لتحقيق هذه المهمة بنجاح بالنسبة لكثير من الصور المألوفة، فإن العبقريات الخاصة لكل لغة على حدة  تجعل من المتعذر اللجوء إلى النقل الحرفي لصور أخرى تأتي بها قرائح الأدباء، بسبب معوقات ثقافية أو لأسباب مرتبطة بالأعراف اللغوية والعادات أو الأديان إلخ ، لذا يضطر المترجم إلى البحث عن صور بديلة مقبولة إلى اللغة المترجم إليها ، وهذا يؤدي بالطبع إلى الخروج كثيرا أو قليلا عن الصور الماثلة في النص الأصلي. كما قد يؤدي إلى احتمالات للتدليل ليس من الضروري أن تكون مماثلة لما هو موجود في النص الأصلي".(4) فالمترجم في هذه الحالة ينبغي دائما أن يكون قادرا على امتلاك سلطة إبداعية تقديرية، تجعله يختار أنسب الاختيارات التي يتصور أنها قريبة من النص الأصلي، وفي  الوقت  نفسه ينبغي أن تظهر اللغة المنقول إليها وكأنها محتفظة بصفائها من تشويش بنيات اللغات الأجنبية ، رغم أن أثر هذه البنيات الجديدة قد يبدو ماثلا في أفقها ،وكأنه نتاج طبيعي لتطورها الخاص أو إمكانية من إمكانيات التجديد فيها . لذا فإن إنتاج أي ترجمة ناجحة في هذا المجال، لا يمكن أن يعفى من صفة خيانة النص الأصلي إلا أن الخيانة هنا هي بالمعنى الإبداعي للكلمة . ونعني بذلك أن مترجم النص الأدبي لا يمكن أن نتصوره شخصا محترفا لفعل الترجمة يقنع بأن يكون مزودا بالقواعد والآليات، بل ينبغي أن يكون مشاركا في عملية إبداع حقيقية ومنصهرا في التجربة الادبية التي يعتزم نقلها من لغة إلى أخرى . 
   ويترتب عن هذا كله أن الحديث عن نقل ما يسميه البعض جواهر النصوص الأصلية ، سواء كان ذلك متعلقا بالمعاني أو بالقيم الجمالية إنما هو ملاحقة شيء لم يكن أصلا محددا أو معطى بشكل تام ومباشر في النصوص،  فما هو ماثل أمامنا في النصوص الأدبية المراد ترجمتها هو إمكانية المعاني لا المعاني نفسها ، كما أن الصياغة الفنية تفر من بين أيدينا ساعة إخضاعها لنظام الصياغة الجديدة ، ويتجلى هذا الهروب خاصة على مستوى الإيقاع  والأوزان الشعرية والصور، لذا فالحديث عن مهمة للترجم تضطلع بنقل جواهر النصوص إلى لغات أخرى (5).
 تعذر النقل الموسيقي:
   إن أكبر مشكلة تواجهنا في الترجمة الأدبية وخاصة الشعر هي مسألة ترجمة النظام الموسيقي والإيقاعي ، وهذا الجانب هو الموقع الفعلي الذي يتم فيه اقتراف "الخيانة الكبرى" لذا صح التعبير في عملية الترجمة عن شبه توافق عام مسكوت عنه ومتفق عليه ضمنيا بين جميع المترجمين ، وكثيرا ما نقف على بعض المحاولات المثيرة للتساؤل ،عندما نجد بعض المترجمين يتكلفون مشاقاً بالغة لترجمة أبيات شعرية غربية قائمة على أوزانها الخاصة بإفراغها في أحد البحور الشعرية العربية التقليدية المعروفة ، وكثيرا ما يحدث ذلك بالطبع على حساب الدلالات والصور الشعرية. إن تقيد الأوزان في النص العربي البديل يقود تلقائيا إلى التضحية بكثير من العناصر التعبيرية والدلالية، وإذا تم الحرص على العناصر الدلالية فإن في المقابل لابد أن تكون ترجمتنا عرضة للتضحية بالجانب الموسيقي للنص الأصلي، واستبداله ببنية موسيقية مرتجلة وفيها كثير من الثغرات  تجعلها أقرب غلى النثر منها إلى الشعر (6).
   هذا ما جعلنا نقول سابقا بأن حل مجموع إشكالية الترجمة الأدبية متوقف على امتلاك المترجم أولا وقبل كل شيء ملكة إبداعية حقيقية، ومعرفة بالإيقاعات  الموسيقية، والتمكن من إنتاج نص أدبي في اللغة المترجم إليها لا يقل إبداعا عن النص المترجم (7)، على أن مقياس النجاح في هذه المهمة  لا يكون دائما بمقارنة حرفين بين النصين ،بقدر ما يكون بمدى قدرة النص الجديد على فرض نفسه في الثقافة المترجم إليها،  بحيث يتمكن من إثارة اهتمام أكبر عدد ممكن  من القراء والنقاد الذين يستقبلونه ويتداولونه ويعترفون بقيمته الفنية والدلالية على السواء .
     وعلى العموم فالترجمة الأدبية محفوفة بكثير من المزالق، ولا سبيل للتغلب عليها  إلا بواسطة عمل يتدخل فيه المترجم بقدرته أيضا على الإبداع في الحدود التي يسمح بها فضاء النصوص المترجمة.
 
هوامش:
1) الترجمة ورهانات المثاقفة والعولمة،ذ.رشيد برهون،مجلة عالم الفكر،عدد:1.المجلد:31، يوليوز سبتمبر2002،ص:171.
2) حميد لحميداني- الترجمة الأدبية التحليلية- ترجمة شعر بودلير نموذجا- منشورات مشروع البحث النقدي ونظرية الترجمة وحدة النقد الأدبي الحديث المعاصر.الإصدار الثانيأبحاث أنجزت ونشرت في إطار البرنامج الموضوعاتي لدعم البحث العلمي بروتارسص:11.
3) قضايا الشعرية.رومان جاكبسون انظر إلى المبحث الخاص ب: شعر النحو ونحو الشعر. ترجمة محمد الولي ومبارك حنون، دار توبقال للنشر.ط:1،1978،ص:83.
4) j .cohen :structure de langage poétique. Flammarion/1978.p174
  5) ذ.حميد لحميداني المرجع السابق. 
     6) هذا ما ذهب إليه أحد الباحثين وهو رضوان العيادي حين كتب مقالا قصيرا معتمدا على بحث بعنوان:pour une th théorie de la traduction وهو بحث يندرج كما يبدو في نطاق نظرية الإبلاغ التقليدي التي تقضي بأن يكون المتلقي على إدراك الرسالة المبعوثة من الباث كما أراد أن تدرك . وهذا يعني أن مقصدية الباث هي تتحكم في طريقة فهم الرسالة من قبل المستقبل، بل إن المستقبل يكون قادرا على الإمساك بجوهر النص الأصلي وإفراغه في نص آخر (من أجل نظرية حول جوهر الترجمة،رضوان العيادي،مجلة ترجمان،منشورات مدرسة الملك فهد العليا للترجمة.طنجة.المجلد:4.أبريل 1995،ص:55.
7)كرينوفر كودويل/ الوهم والواقع،دراسة في منابع الشعر،ترجمة توففيق الأسدي.دار الفرابي 1982، انظر القسم السابع بعنوان: خصائص الشعر ص:135.
8) انظر أيضا مقال: المنصف الجزار، الترجمة الأدبية،ضمن كتاب الترجمة ونظرياتها بيت الحكمة قرطاج تونس1989.ص:136.
-----------
قاب قوسين

حسنة حداني*
السبت 16 يناير 2021