رياح تركية غير مواتية.. لكنها ليست عاصفة





من الطبيعي أن يضخّم السوريون مخاوفهم إزاء ما يجري في الداخل التركي من تقلبات سياسية، لأنها صارت تعنيهم كما تعني الأتراك إن لم يكن أكثر.

الأمر يتعلق بمصائر نحو أربعة ملايين سوري يقيمون في تركيا وأربعة ملايين آخرين في آخر جيب للمعارضة في سوريا، وسط ظروف هشة تتقاذفها التجاذبات السياسية ما بين الموالاة والمعارضة التركية من جهة، والدولة التركية وروسيا من جهة أخرى.


سياسياً وقانونياً ومنطقياً تبدو المخاوف التي اعترت السوريين بعد فوز مرشح المعارضة، أكرم إمام أوغلو، برئاسة بلدية إسطنبول، أمس، غير واقعية، إلا أنها لا تخلو من وجاهة نسبية، إذا ما أخذنا بالاعتبار الهجمة التمييزية من قبل بعض رؤساء البلديات المعارضين الفائزين في الانتخابات الأخيرة، على الوجود السوري، وتهديدهم والتعبير الصريح عن الرغبة بمغادرة السوريين، من دون أن يعيروا أي اهتمام للسؤال المُعجز: إلى أين يذهب هؤلاء؟.
الوجود السوري في تركيا محميٌّ بالقانون، قانون الحماية المؤقتة، الذي أقرته تركيا ويُلزم جميع أحزابها ومؤسساتها، ومحميٌّ أيضاً بدرع حزب العدالة والتنمية الذي ما زال يملك درعاً سميكاً من مكاسب اقتصادية وسياسية ومنجزات…
أما الهشاشة في وضع السوريين فتكمن في إمكانية التضييق عليهم من باب تطبيق القوانين، وهي ذريعة لا يمكن لأحد أن يحميهم منها، وهنا ربما يسأل سائل غير عارف بالوضع السوري المعقد في تركيا: ولمَ لا يطبقون القوانين؟
نقول: إن تطبيق القوانين خصوصاً فيما يتعلق بالعمل يبدو أقرب للمستحيل في كثير من الحالات، فمعظم العمالة السورية غير الماهرة تعمل في المعامل والمشاغل التركية من غير تصريحات وأذونات عمل، وهذا بالضبط ما يجعل أرباب العمل يستقطبونها، نظراً لتدني أجورها وعدم الالتزام تجاهها بضمانات وتأمينات اجتماعية، وإذا ما شددت بلدية إسطنبول وغيرها على هذه النقطة، فإن عشرات الآلاف من العمال السوريين سيفقدون أعمالهم، لصالح العامل التركي الذي سيفضله صاحب العمل في حال تساوي المدفوعات، اللهم إلا قليلاً من المهرة والمحظوظين.
كما يمكن لرؤساء البلديات التضييق على السوريين من خلال منع بعض الخدمات أو تقنينها أو تفخيخها بالروتين والمعاملات التي تبدأ ولا تنتهي..
أما من حيث الحق في الوجود على الأرض التركية، فلا خوف ولا مساس به، كما أن الحقوق الأساسية من تعليم وطبابة مكفولة بالقانون الدولي والتركي ومحمية من قبل الحكومة.
وعلى الرغم من أن هبة الرياح تبدو غير مواتية لنا هذه المرة، إلا أنها لا ترقى لأن تكون عاصفة أو احتمال عاصفة حتى، فالحكومات التركية المتعاقبة عبر قرون وكذلك الشعب التركي استقبلوا موجات هجرة عديدة، كثير منها استقر ووجد أهلاً ووطناً.. من البلغار إلى اليونايين والبوسنيين والأذريين والإيرانيين والأفغان والعراقيين وغيرهم كثير… والذي يجعلنا كسوريين نبدو في بؤرة الحدث والاستهداف من قبل بعض العنصريين الأتراك هو كون أزمتنا ما زالت مستمرة وقائمة، ونزوحنا مازال متواصلاً على الرغم من تراجعه بشكل كبير، يضاف إلى ذلك التمركز الكثيف في إسطنبول وخمس ولايات جنوبية، وهذا له أسبابه المتعلقة بمراكز العمل والقرب من الحدود السورية.
أما المؤرق أكثر من تفاصيل السياسة واللعب على حبالها، فهو أن أزمتنا ما زالت حاضرة وتتفاعل بعد ثماني سنوات من وجودنا هنا، وأننا لا نكسب في معركة الاندماج والذوبان في المجتمع المضيف، ما يجعلنا محكومين بالمؤقت، الذي يبقى هشاً وقابلاً للمساومة عليه بين تجار السياسة والحرب والإنسانية!.
----------
حرية برس

ياسر الأطرش
الاثنين 24 يونيو 2019