هل اقتربت الأزمة الخليجية من الحل؟

29/10/2020 - حسن الراشدي - تي ار تي


صناعة الفخار في نابل التونسية تحاول الصمود في وجه الأزمة




تونس - تنتشر المصانع الطينية والورش على الطرق المؤدية إلى مداخل مدينة نابل الجرار العملاقة والقلال وأواني الفخار على حافتي الطريق، وفي آخر الطريق ينتصب تمثال لحرفي صانع للفخار في مشهد يرسخ تاريخا طويلا لهذه الصناعة الممتدة إلى نحو 1500 عام.

وذكرت صحيفة "ميامي هيرالد" الامريكية أن النجم ذو البشرة السمراء /43 عاما/ والذي زار جامايكا الأسبوع الماضي، وصل إلى مطار هوجو شافيز الدولي في مدينة "كاب هايتيان" شمالي البلاد، حوالي الساعة العاشرة من صباح يوم الجمعة الماضي، وكانت في استقباله امرأتان ترتديان الزي التقليدي لهايتي، وتحملان باقتين من الزهور المحلية.

وحتى الآن، لم يكشف ويست - الذي يحرص دائما على استخدام موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" شيئا عن جدوله الزمني المتعلق بوصوله إلى هذه الدولة التي تقع في منطقة الكاريبي، أو أهم مدينة تاريخية بها، والمنطقة التي خرجت من رحمها هذه الدولة الكاريبية. وكانت آخر معركة كبرى للثورة في هايتي، هي معركة "فيرتير"، التي دارت رحاها جنوب كاب هايتيان مباشرة، حيث لعبت المدينة دورا قرب نهاية الثورة، قبل أن يعلن قائد الثورة، جان جاك ديسالين، هايتي كأول جمهورية حرة للسود في العالم، وذلك في الأول من كانون ثان/يناير من عام 1804.


على طول بضع كيلومترات وعلى الطريق المحاط بالغابات على أطراف المدينة، يتصاعد الدخان من الأفران بالورشات الطينية وقد طغى السواد على جدرانها، فيما يستلقي عمال على جانبها لأخذ قسط من الراحة من شدة الحر المنبعث في الأفران.
يبدأ العمال عملهم باستخراج الطين من المحاجر الكبيرة المجاورة للمدينة ثم يقوموا ببله وتخزينه رطبا حتى يستوي، وبعد ذلك يقومون بتجفيفه وتهشيمه ومن ثم يترك لفترة لتتفاعل مكوناته حتى يتحول إلى عجين طيع بين يدي الخزاف.
ولا تختلف طرق صناعة قطع الفخار والخزف في أغلبها عن بداياتها قبل قرون في المدينة.
يؤرخ الموقع الرسمي لولاية نابل أن جل الورشات كانت فيما مضى مجمعة في حي واحد يسمى "القلتة" لم يبق منها اليوم سوى ورشتين صغيرتين ثم نقل "حي الخزافين" في القرن العشرين إلى خارج المدينة على الطريق المؤدي إلى العاصمة تونس التي تبعد نحو 60 كيلومترا، وأصبح منطقة صناعية مختصة في حرف اللهب والطين بورشاتها الصغيرة ومعاملها الصناعية الكبرى.
في تلك الورشات تحافظ صناعة الفخار في نابل ومنذ عدة قرون، تحديدا الحقبة القرطاجية والرومانية، على استخدام طرق تقليدية تستعـمل الطين الطبيعي حيث تجري تسويته في أفران تفوق درجة حرارتها 900 درجة.
يقول المؤرخون إن ورشات صناعة الفخار في نابل التي تعرف باسم نيابوليس في العصور القديمة، كانت تصدر منتجاتها عبر السفن التجارية إلى كل المدن المطلة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط. وتدل على ذلك القلال والجرار والأواني التي عثر عليها في حفريات حديثة بنابل ومدينة الحمامات المجاورة. كانت الجرار تستخدم لخزن الزيت والقلال لجلب الماء من الآبار.
ويحسب سجلات الولاية الواقعة بشمال شرق تونس، تشتهر عائلات بعينها ممن ذاع صيتهم عبر أجيال بالتخصص في صناعة الفخار مثل عائلة بن سدرين والمجدوب، وخاصة عائلة الخراز المنحدرة من أصول أندلسية، كما يدل على ذلك اسمها المشتق من كلمة الكرازاز الاسبانية والتي تعني القلة الصغيرة المستعملة لتبريد الماء.
ومن بين تلك العائلات تحتفظ عائلة "القرقني" بمصنعها في حي الخزافين منذ سبعينيات القرن الماضي وتقوم بتسويق منتجاتها من الفخار في "مغازة فيصل القرقني" الواقعة بسوق الصناعات التقليدية بوسط المدينة.
لكن الوضع في السوق ودع الأيام الخوالي حينما كان تجار الفخار يحققون أرباحا مهمة، بسبب توقف الرحلات الدولية وتعثر قطاع السياحة والأزمة الاقتصادية في البلاد.
يقول العامل الخمسيني في المغازة أحمد الحاج لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) "الوضع خلال العقود الاولى كان أفضل بكثير. الأسواق السياحية التي تزور تونس كانت مختلفة. أغلبهم من أوروبا الغربية من ذوي الدخل العالي".
ويضيف أحمد "تغيرت الأوضاع منذ التسعينات وسائح اليوم لم يعد كما في السابق. عدد السياح الفرنسيين والألمان تقلص عما كان عليه في السابق".
وضاعف من محنة السوق غلق الحدود مع دول الجوار ليبيا والجزائر بسبب الوباء. وكان لهذا القرار من قبل السلطات الجزائرية أثرا بالغا على الاقتصاد في ولاية نابل إذ يمثل الجزائريون العدد الأكبر من السياح الوافدين على نابل على مدار العام.
وإلى جانب تقلص مبيعات صناعة الفخار بات الافلاس يهدد التجار والنزل والإقامات الفندقية في الجهة التي تحصد أرباحا من حركة السياح الجزائريين.
وبالنتيجة اضطرت مغازة القرقني إلى التخلي عن الصناع والابقاء على الحاج احمد فقط. وعلى الرغم من الأزمة نجحت المغازة في تأمين الحد الأدنى من الدخل الذي يسمح بتغطية المصاريف ونفقات الكهرباء والضرائب وأجرة العامل.
ويقول الحاج أحمد إن تجارة الفخار قبل أزمة كورونا كانت منتعشة على مدار العام وتشهد ذروتها في فصل الصيف وخلال شهر رمضان. ويضيف "برغم كل الظروف نابل تظل عاصمة للفخار وهي تستقطب الباحثين عن هذه الأواني المميزة من كامل جهات البلاد".
وسبب هذه الشهرة الواسعة أن للفخار في نابل عراقة وميزة مختلفة عن باقي جهات البلاد كما تعرف بذلك الولاية.
مثلا تنفرد المدينة بنوع من الخزف المطلي بأكسيد الرصاص وألوانه المتميزة الصفراء والخضراء إلى جانب زركشة بيضاء وزرقاء. ويرجع استعمال أكسيد الرصاص إلى بداية القرن السادس عشر حين استجلبه الأندلسيون.
وهناك الخزف التقليدي المسمى بالخزف العربي ذو الألوان القصطلية المرسومة على مساحات صفراء داكنة فيعود إلى قدوم الخزافين من جزيرة جربة جنوب البلاد في بداية القرن السابع عشر. كما ينتشر الخزف من طراز "القلالين" الذي يعود إلى الخـزافين القادمين إلى نابل من حي الخزافين بالعاصمة والمعروف بالقلالين.
وفي بداية القرن العشرين انتشر صنف جديد من الخزف يتميز بتعدد الألوان والرسوم والتفنن في الزركشة لجلب السياح، وهي طرق مستحدثة لمجاراة العصر.
يقول أحمد لـ(د .ب. أ) "السوق تلبي رغبات الجميع. هنا في نابل يمكن العثور على كل ما تبحث عنه العائلات لتأثيث بيوتها من الفخار والخزف المميز. السياح أيضا يبدون اعجابهم بما ينتجه الحرفيون".

طارق القيزاني
الثلاثاء 29 سبتمبر 2020