فندق "الماجيستك"يلهم رواية "سيسيليا الصغيرة" عن حقبة النازية



تونس - يشعر ملاك نزل "الماجيستيك" العتيق وسط تونس العاصمة بالامتنان الى الكاتب الألماني دانيال شبيك صاحب رواية "سيسيليا الصغيرة"، ليس لأنه سرد أطوار قصته داخل النزل ولكن أيضا أعاد الاعتبار لمعلم يحتفظ بالكثير من الشواهد المهمة.


فندق "الماجيستك" في تونس
فندق "الماجيستك" في تونس
يقول شبيك الذي عرض روايته الجديدة في ذات النزل بتونس لوكالة الأنباء الألمانية (د .ب. أ) "إن الحديث اليوم عن الهجرة من الجنوب إلى الشمال يبدو ذو ذاكرة قصيرة إذ لطالما كان البحر المتوسط جسرا بين الضفتين".
وللدلالة على ذلك يستحضر دانيال في معرض حديثه عن روايته، هجرة العديد من الايطاليين في الماضي من بلادهم بالاتجاه الآخر من المتوسط نحو تونس. كما يستحضر أثناء الحرب العالمية الثانية، هجرات جماعية من اليهود إلى فلسطين، حتى بشكل غير قانوني عبر البحر الأبيض المتوسط كما هو سائد هو اليوم.
يقول الكاتب "ما نشهده اليوم هو دائما ما يسمى بأزمة... لكن معرفة القصة أمر طبيعي. تونس التي أعرفها لا علاقة لها بأخبار الهجرة والارهاب اليوم".
وثمة رابط منطقي لحديث دانيال، فالرواية الجديدة "بيكولا سيسيليا " (سيسيليا الصغيرة) تلخص المجتمع المتعدد الأعراق والثقافات، بين مسلمين ويهود ومسيحيين، من جنسيات مختلفة، والذين تعايشوا لعقود طويلة بضاحية تونس "حلق الوادي"، وهي تضم بمجاراة المرفأ شارعا رئيسيا بنفس اسم الرواية.
ولكن الجزء الأهم من الرواية تدور أطواره في نزل الماجيستيك بوسط العاصمة، والذي استولى عليه النازيون في حملتهم على تونس عام 1942 وجعلوا منه مقرا للقيادة المركزية، قبل أن يستحوذ عليه الأمريكيون وحلفائهم فيما بعد.
مثلت تلك الحقبة مصدر الهام للكاتب الألماني الذي حدد أبطال روايته من جنسيات وديانات مختلفة لكن محورها قصة حب بطلتها عاملة يهودية في الماجستيك، أحبها مصور دعائي للنازيين لكنها أحبت عازف الأورغ الألماني فيكتور.
يقول مدير النزل كريم باي لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) "لم نطلع بعد على النسخة الفرنسية من الرواية. لكن نعتقد أنه فضلا عن أهميتها الأدبية فهي تستحضر أحد أهم الحقبات التاريخية التي مرت بالماجيستيك منذ تشييده".
بدأ بناء مبنى النزل في العام 1912 من قبل المهندس الفرنسي بول اوجست بارون وعبر شركات مقاولات إيطالية، ودخل الخدمة في العام 1919 مع مالكه الأول العسكري التونسي رونيه الكسراوي. وهو يستعد للاحتفاء بقرن من الخدمة إذ يعد أقدم نزل في تونس لا يزال قيد الاستغلال.
بين تشرين ثان/نوفمبر 1942 وأيار/ مايو 1943، استولت القوات الألمانية على الفندق وأصبح مقر قيادتها في العاصمة، ثم أصبح المقر الرئيسي للقوات الأمريكية بعد تحرير تونس أثناء الحرب العالمية الثانية.
استقبل هذا النزل العتيق الزعيم الاندونيسي الراحل محمد سوهارتو و والرئيس الفرنسي فرانسوا متيران عندما كان وزيرا في خمسينيات القرن الماضي، والمغنين الفرنسيين شارل أزنافور وجيلبار بيكو وغيرهم.
وحتى عقد الستينيات من القرن الماضي، ظل الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة يستقبل ضيوفه من الرؤساء والضيوف الرسميين في نزل الماجستيك قبل تشييد قصر قرطاج الرئاسي. وظل المبنى محافظا على أناقته حتى عقد السبعينيات تقريبا.
يقع النزل في قلب العاصمة على طول شارع باريس بمحاذاة سكة المترو والمحلات التجارية والمقاهي ومقرات الشركات، وتحيط به شوارع تضم البناءات الفرنسية الحديثة التي بنيت إبان الاستعمار عام 1881 خارج أسوار المدينة العتيقة لتونس والتي بناها العرب والأتراك قبل قرون.
لكن الماجستيك ظل من البناءات القليلة اليوم التي صمدت أمام الزمن وحافظت على معمارها القديم في حالة توهج، في مقابل تداعي أغلب البناءات التي شيدت في نفس فترته.
يبعد النزل نحو 200 متر عن الشارع الرئيسي الحبيب بورقيبة (جول فيري زمن الاستعمار الفرنسي) ولكنه على مقربة من الشوارع الرئيسية للمدينة الحديثة، مثل شوارع مرسيليا ولندن وليون وروما وغانا.
وبسبب موقعه الاستراتيجي استطاع النزل أن يحافظ على تنافسيته مقارنة بالنزل الحديثة في العاصمة. ويوضح كريم باي ذلك قائلا "النزل اختص اليوم بالأساس في سياحة الأعمال. يأتيه السياح ورجال الاعمال من كل الجنسيات في العالم فهو يوفر ميزة مهمة لهم، وهي الاقامة في جو مفعم بالتاريخ النفيس كما يتيح لهم لاطلاع على الوجه النابض للعاصمة عن كثب".
يتميز النزل بغرفه الفسيحة والكبيرة على طراز المعمار الفرنسي. يشتهر هذا الطراز باسم "آر ديكو" العريق في فرنسا. وهو يعد اليوم بحسب باي من بين الموروث الوطني كونه يختزن حقبة مهمة من تاريخ البلاد في القرن العشرين.
لكن جاذبية الماجيتيسك لا تقتصر على الذاكرة وشرفتي المقهى والمطعم المطلين على طول شارع باريس الحيوي، إذ أنه يتيح أيضا خيارات عديدة لنزلائه للقيام بزيارات سياحية مشيا على الأقدام.
تمثل المسافة بين النزل وكاتيدرائية القديس "سانت فانسون بول" بضع دقائق فقط، تماما مثل المسرح البلدي ودور السينما ومدينة الثقافة، بجانب الأسواق العثمانية في المدينة العتيقة وجامع الزيتونة الشهير وحديقة البلفيدير.
مع ذلك يعترف كريم باي بأن النزل يفتقد إلى مسحة الهدوء التي كانت تميز العاصمة في العقود الأولى من القرن العشرين، في ظل اجتياح المشاريع التجارية وانفجار حركة النقل ما غير كثيرا من ملامح المدينة عما كانت عليه في السابق.
وثمة عامل آخر مهم وهو أن النزل عايش أيضا التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها العاصمة في سبعينيات القرن الماضي. وبالنسبة لكريم باي فإن هذا الواقع لم يكن مختلفا عما حصل أيضا في عواصم اخرى مثلا باريس. "فباريس اليوم ليست هي نفسها كما في السابق".
ولكن من أجل الاستمرار أغلق النزل أبوابه لإعادة الترميم عام 2005 واستغرقت أشغال إعادة تهيئته عشر سنوات ليتم فتحه للنزلاء عام 2015 بتصنيف أربع نجوم وبحلة جديدة محافظة على معماره القديم.
ويوضح مدير النزل لـ(د. ب. أ) "حدثت تغييرات عدة في النزل مقارنة بنسخته الاولى لكن لم يتم المس بالتصميم الخارجي ولا بطابعه المعماري المميز. يهمنا الحفاظ على التفاصيل التاريخية في كل ركن من الماجيستيك".

طارق القيزانى
الاربعاء 31 أكتوبر 2018


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan