نظرا للصعوبات الاقتصادية التي رافقت الجائحة وأعقبتها اضطررنا لإيقاف أقسام اللغات الأجنبية على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

لا تكسروا قلم شارل مالك!

19/07/2024 - عالية منصور

فلسطين ليست قضيتي

19/07/2024 - محمد جميح

الشيشكلي إن حكى

16/07/2024 - د.محيي الدين اللاذقاني

التأسيس الفلسفي للعنصرية

13/07/2024 - خضر الآغا


في سيكولوجيا احتقار الشعوب





تطلّ حادثة صفع الفنان عمرو دياب لأحد معجبيه برأسها مجدِدةً التذكير بالعلاقة الإشكالية في العالم العربي بين الجمهور والنجم الذي يحبون. علاقة سامة "غالبًا" لا تمتاز بالتفاعل المتساوي بين الطرفين، وبالاتجاهين، حيث ومن دون تعميم لا يهتم النجم بمعجبيه، ولا يتفاعل مع رغباتهم ومع طلباتهم. وفي المقابل، ينهال المعجبون عبر وسائل التواصل الاجتماعي على النجم بكثيرٍ من الانتقاد، وأحيانًا بالسباب والشتائم إذا خرج عن الخطوط التي رسموها جميعًا له ولمساره، فهم نفسيًا يريدونه نجمًا مشابهًا لهم، مستنسخًا عنهم في كل شيء، وهو، في المقابل، لا يريد منهم إلا أن يعبدوه حرفيًا، من دون أن تكون لهم أي حقوق عليه.


 
تبدو هذه العلاقة غير صحيّة بالمطلق، وفيها تجاهل كبير لكلا الطرفين، وللأسباب التي منحت كليهما أسباب وجوده، فمن صنع النجم بكل تأكيد هو جمهوره، وهو من يصفق له ويتابع فيديوهاته على السوشيال ميديا، ويجعل تدفق الملايين إلى جيوبه أمرًا ممكنًا، وبالتالي حينما يرى الجمهور نجمه وقد أثرى وحقق كل ما عجز المواطن العادي عن تحقيقه في حياته، يتابعه في أدق تفاصيل حياته، ملبسه ومأكله ومشربه، زواجه وأطفاله ومشاكله العائلية، يستوعبه ويتحمله في حالات الطلاق، أو الخيانة، أو إدمان المخدرات، وما إلى هنالك من قصص وتفاصيل، في حالة تماه كاملة مع النجم الذي بات ممثلًا عنهم في أحلامهم التي فشلوا في تحقيقها، ولربما أتى تأويل "القدوة" الذي نحته المؤدلجون في الإعلام العربي مناسبًا لهذه الحالة النفسية، فالجمهور يرى النجم قدوة له، يتمثله في كل شيء، ولعل الفعل الديمقراطي الوحيد في هذه الحالة هو أن الإنسان العادي لديه الفرصة كي يختار النجم الذي يحب، وبالتالي النجم الذي سيتماهى معه. لم تعد فقط القدرة الصوتية واللحن الجميل هما الثوابت في اختيار الجمهور للنجم، بل تداخلت التفضيلات بشكل عشوائي لتصبح قصة حياة النجم مثلًا، شكله، طريق رقص النجمة، التصريحات الاجتماعية، أحيانًا الموقف السياسي، هي العوامل الأساسية التي تجعل الجمهور ينقسم بين النجوم. في المقابل، لا يقبل النجم أي تدخل من الجمهور في حياته، وهذا حق شخصي، بل إن تطوّر حياته وأسلوب تفكيره يضعه غالبًا في ضفة أخرى مختلفة عن ضفة الجمهور الذي أنتجه ودعمه في بداية مشواره. وهذا، أيضًا، منطقيٌّ وحقٌّ من حقوق الفنان. ولكن ما لا يقبله العقل هو أن يقف النجم في مواجهة وجودية مع جمهوره، فيقف ضد هذا الجمهور ويؤيد إبادته مثلًا، أو يصافح القاتل الذي يبيد هذا الجمهور، ولعل أشد سخريات القدر هي أن الجمهور يعود للتشجيع والتصفيق لهذا الفنان مجددًا، فكم هي علاقة سامّة بالفعل.
يقول القائل إن هذه الأمور تحدث في أغلب دول العالم، وهي ليست صفة شرق أوسطية، وهذا صحيح، ولكن تلك العنعنات إن حدثت تكون نتيجتها وخيمة على الفنان، وسيدفع ثمنها على الفور إما في محاكمات، أو في حركات مقاطعة، أو انفكاك شركات الإنتاج عنه خوفًا من مساءلة المؤسسات الحقوقية، أو الحكومية، أو المدنية، حيث لا ترغب أية شركة، أو مؤسسة، في أن يدرج اسمها في لوائح الانتهاكات الحقوقية، أو حقوق الإنسان، خصوصًا إذا تعدى الأمر ووصل حد الاغتصاب، أو الاتهام بالاغتصاب، أو التحرش، أو ضرب الشريك، أو التصريحات العنصرية، أو التصريحات المعادية لحقوق الإنسان والأقليات. ولعل أكبر مثال على هذا هو الانضباط شبه الكامل حد الارتباك الذي يمارسه الفنانون، أو الرياضيون العرب، في أوروبا، والعالم الحر. حيث يطالبهم جمهورهم على الدوام بالتصريح، أو فعل ما يناسبهم، أو يشفي صدورهم الثكلى بالهزائم والمذابح، لكنهم محكومون بسياسات ومزاج عام لدى الجمهور الذي يعملون في بلده.
من المؤكد، بحسب الكاتب الفرنسي غوستاف لوبون، أن التجمعات البشرية تتحرّك بسلوك قطيعي يتحكم بها بشكل أساسي في حالات انعدام الفردية، حيث يكون السلوك القطيعي متنفسًا للمجتمعات التي تعجز عن التعبير بفردانية عن نفسها، فيغدو الحراك الجمعي حرًا ولا يمكن إدراكه أو التحكم به. وفي المقابل، يدرك القائد لهذا السلوك أن الخطاب الشعبوي هو المحرك الأساس لتلك السلوكيات، وبالتالي تجري زيادته والعناية به، وهكذا تنشأ السياسات الشعبوية التي تهدف إلى مجاراة التجمعات البشرية في غرائزها ورغباتها الدفينة من دون تمكين الأفراد، أو الحركات الفردية، من النشوء. في مثالنا عن الفن والسلوك الجمعي لجمهور الفنان تبدأ وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بتحويل النجم في المجتمعات المقموعة من إنسان يحمل رسالة فنية إلى شبه إله، حيث يتم تصنيعه من قبل الجمهور ذاته الذي يوافق على سياسات السوشيال ميديا التي يقف خلفها من يقف، وعلى الفور تبدأ ضخ أفكار وسلوكيات قد لا يمتلكها النجم ذاته، أو لم تك تخطر على باله، عن طريق انتظار إجاباته عن القضايا التي تعجز الحكومات عن إيجاد إجابات عنها.
 



وبكل تأكيد سيكون هذا النجم غير مؤهل للإجابة عن تلك التساؤلات والقضايا العالقة، التي تحتاج لبرلمانات وندوات ومفكرين يحللونها. قضايا إشكالية، مثل الإجهاض والمساكنة والحرب والسلم والديمقراطية والثورات والنظام السياسي وقضايا الحريات الجنسية وأزمات الهوية. ولأن النجم هو، عادة، نتاج مخاض شعبوي، فإن أجوبته لن تنتج سوى خطاب شعبوي مستلهم من المُناخ السياسي الواقع الذي يؤمّن استمراره وإدامة عمله وسيطرته على تلك التجمعات. وهكذا يُخلق الإله الفنان المناسب لهذه التجمعات البشرية، والمُتحكم بها، التي لا حقوق لها ولا مطالب ولا حتى كرامة أو قيمة، فالفنان يعتقد في قرارة نفسه أن الشعب الذي يحبه همجي وغير متحضر، غير مستوعب لأساليب الحضارة والفن. وفي تلك اللحظة يلتقي النجم مع السلطة السياسية التي تحرم الجميع من حقوقهم وتمنع أي رأي أو أي اختلاف.
 
لا يستطيع رومان بولانسكي دخول أميركا بسبب محاكمتة بتهمة الاغتصاب (Getty)

وكما استحال النجم إلهًا، ستتحول الجماهير المعجبة به إلى قطعان لا مبرر لوجودها إلا التصفيق له والإعجاب به، وإن خرج أحد هذه الخراف المتكدسة من السياق المرسوم له فإنه سوف يجبر النجم الإله على أن يعود إلى حالة القمع. وسيسوقه إلى الذبح النفسي. قد يقول القائل بأن النجم لا يرى نفسه إلهًا، وأنه في تلك اللحظة التي ارتأى أن الجمهور تجاوز حدّه معه قد عاد إنسانًا يمتلك مساحته الخاصة، ويحق له أن يمارس الغضب، أو السخط على أي شخص يعتقد أنه أزعجه. هذا صحيح، ولكن الأزمة ليست في الفنان فقط، بل يتحمّل الجمهور جزءًا من المسؤولية بعد أن صنع إلهًا من تمر ويريد منه أن يعيش على الصورة التي رسمتها له السلوكيات الجمعية، لا على هواه وسجيته. وكما يخلق الجمهور إلهه الفني، يُطلب من "الفنانين الآلهة" تمجيد الإله الأكبر للبلاد، لا بل عبادته علنًا والترنم باسمه وكتابة الأشعار والأغاني والكتب والمدائح. ولا يقبل اعتماد الإله الفنان قبل أن يثبت ولاءه لرب الأرباب المحلي.
تمتاز مرحلة عبادة الفرد في مراحلها اللاحقة في الشرق بأنها تمنح المعبود حصانة كاملة من الأخطاء والعثرات والهنات، وتبث فيه الإعجاب حتى لو هبط مستواه، أو تراجع أداؤه، فكل ما يقدمه هو رائع، وكل ما يتفوّه به هو حكم مرصودة يستشهد بها ويبنى عليها. بكل تأكيد، لا يمكننا لوم فنان عربي ظهر من البيئة ذاتها التي انتهت إلى تقديسه وتنزيهه عن الشبهات، فهذا الفنان كان قبل سنوات يعيش حياة مشابهة لما يعيشه معجبوه، يأكل الطعام ذاته، ويشرب الشراب ذاته، وسبق له أن رضخ لأساليب القمع الفكري والديني والسياسي ذاتها، ولكنه فجأة بات يرى في نفسه روحًا مختلفة عن الآخرين. فيبدأ بإعادة إنتاج كامل للاضطهاد، أو التعنيف الذي عاشه حينما كان مواطنًا، ولكن هذه المرة على متابعيه.
ينسحب الاستبداد الذي عاشه "النجم" لا شعوريًا نحو جمهوره، فهو يمارس بشكل لا إرادي سلوكيات قمعية واستعلائية تجاه جمهوره تشابه تلك التي عاشها حينما كان مواطنًا عاديًا مع الدولة التي عاش فيها، فهو إذ خضع سابقًا لمنهج مستمر منذ مرحلة التعليم الأولى في المدارس امتاز بالعنف والتجاهل والتعالي والقمع، فهو بكل تأكيد سيعيد إنتاج تلك المفاهيم لاحقًا في سياق تماهيه مع فكرة المعبود الذي لا تطاوله أية شبهة، أو صفة ناقصة، أو مساءلة، أو محاكمة، أو محاسبة. في هذا السياق، لا تكاد سجلات الصحافة تخلو من خبر يومي عن انتهاكات قام ويقوم بها فنانون عرب تجاه العامة، تتراوح من التوبيخ، كما فعل عبد الحليم حافظ، فنان نظام عبد الناصر الأول، كما وصفته كتب ودراسات فنية، وكما فعل عمرو دياب غير مرّة، وصولًا إلى الضرب مؤخرًا، وكما حصل منذ سنوات حينما قَتل زوج مطربة عربية لاجئًا سوريًا بسبع طلقات نارية بحجة أنه لص اقتحم بيته، ولم تتم إدانته أبدًا، وحوادث السيارات، وحتى الاتهامات بالتحرش والاغتصاب، كما حصل مع عدد من المغنين العرب في أكثر من دولة عربية وأوروبية.
 



هنالك عدد من الفنانين والشعراء والروائيين الكبار حقًا، ممن كانوا يحرّضون على العنف ضد جمهورهم، أي اختلال هذا الذي يمنح الفنان القدرة على إبادة، أو السكوت على إبادة، أو التصفيق لإبادة جزء من جمهوره. حالة إشكالية وأزمة أخلاقية تتمظهر بقوة في الشرق، حيث تتداخل السياسة مع الفن، والشعبوية مع الجماهيرية. ولكل شيء مبرراته في ذلك العالم، حيث يخضع الفنان أحيانًا لآليات القمع التي ترى فيه أداة لترويض الشعوب والسيطرة العقلية عليها.
إن احساس الفنان الذي يحقق متابعات وإعجابات مليونية بالتفوق قد يمنحه في بلدان لا سلطة حقيقية فيها للقضاء، أو للصحافة الحرة، قدرة لا محدودة على إلحاق الأذى بمعجبيه أنفسهم.
ويا لها من مفارقة حقيقية أن يلحق الفنان الذي بذل كل ما في وسعه من طاقة من أجل أن يلفت أنظار المعجبين به وبفنّه الأذى بالجمهور الذي صنعه، ولعل الأسوأ هو أن تجد من بين هذا الجمهور من يبرر للفنان تصرفاته وعنفه وانتهاكه لمشاعر من منحوه تلك القوة والقدرة.
يشبّه أحد الباحثين تلك الحالة بفرضية فرانكنشتاين، حيث لا تتم تبرئة الجمهور من صناعة وحوش ستلتهمها فيما بعد إن استطاعت إلى ذلك سبيلًا.
هي، إذًا، فضيلة الفن، أو أفيون الشعوب، الذي أدمنه البشر في عصرنا، وفي بقية العصور، وهو من يمنح بعضهم تلك العصا السحرية التي تجعله متحكمًا بقلوب الملايين، وربما مئات الملايين، عبر الكلمة، أو الأغنية، أو المشهد، أو الابتسامة. صحيح أن الإبداع الفردي الذي قد يصل حد الابتكار هو ما منح هؤلاء فضيلة الريادة والتسيّد، ولكن الفن، أي فن، لا قيمة له من دون جمهور يتذوّقه فيؤمن به وبصانعه، فيصيّره إلهًا. لكن غياب القانون، كما ذكرنا، هو ما يشكل تلك الفجوة في العلاقة، فصفع فنان عربي لأحد معجبيه قد يرسم خطوطًا نهائية لمشواره الفني في بلدان أخرى، ولكنها في بلداننا قد لا تعني شيئًا. ولنا مثال في النجم العالمي كيفن سبايسي، الذي تهاوت حياته الفنية تحت تهمة التحرش بأحدهم، والتي حرمته من عدد هائل من العقود التي أبرمت معه بالفعل وتم إلغاؤها نتيجة تلك الاتهامات التي عندما ثبتت براءته منها لم ينل التعويض المنتظر!
الممثل الأميركي بيل كوسبي يقضي سنوات طويلة وهو عجوز في السجن نتيجة اتهامه بقضية تحرش. المخرج العالمي الحاصل على الأوسكار والسيزار والبافتا، رومان بولانسكي، لم يطأ أميركا منذ عقود خشية اعتقاله والتحقيق معه بتهمة الاغتصاب. واللائحة تطول.
في المحصلة، يمكن للجمهور عبادة ما يشاء من الفنانين، وأن يصيّره إلهًا إن شاء، فهذه مشيئة جمعية ونفسية قد تحتاجها الشعوب التي تنتظر بطلًا، أو قائدًا، أو ملهمًا، تفتخر به وتضعه في مصاف الأبطال. ولكن لا يحق لأي نجم "استحال إلهًا" أن ينقلب على جمهوره ويخونه أو يهينه أو ينتقص منه، حتى لو كان هذا الجمهور فقيرًا ورثًّا ولا يرقى للأسف للمستوى الذي صار عليه النجم بفضله طبعًا.
لعلها ظاهرة عربية، فكم شاهدنا من فنانين يساندون الجرائم ضد الشعوب، أو يصطفون إلى جانب القتلة والمجرمين، متناسين أن جمهورهم هو ضحية ذلك الجلاد أو القاتل. في النهاية، تبقى القضية في ملعب الجمهور الذي يقبل سطوة فنانين أساؤوا له وارتكبوا أفعالًا مشينة في حقه، فهل يحق للجمهور إسقاط نجم ما في العالم العربي، أو مقاطعته شعبيًا إن فشلت المؤسسات القضائية من أن تقتص منه؟ أم أن غياب الديمقراطية السياسية يمتد إلى الواقع الفني، حيث يُفرَض الفنانون وفق منطق القوة
وسطوة الإعلام تمامًا كما هو الواقع السياسي؟
---------
ضفة ثالثة


 

فارس الذهبي
الخميس 27 يونيو 2024