قراءة في الأضمومة الشعرية"منْ يقبّــل خــــدَّ الفَــراغ" لأسعد البازي



الشّعر والفنّ مندمجان بالحياة المتمدنة. والشاعر يقتحم الخلاصة ويلبسها نيرانه الخاصة. فهو ينظر إلى الناس بعينين اثنتين أولاهما هي عين الحساسية الشعرية والأخرى هي العين الاعتيادية عين الحياة. ينخرط الشاعر في حياة المدينة ويدمجها في حياة الشعر، ومن ثم تتلبس الخاصية الجسدية فضاء الشعر. فهذا الجانب المجسّد هو الذي أتاح للشعراء أن يكتبوا اللغة المهووسة بشكل دائم بإيقاع الخفقان. ويسعدني من خلال هذا اللقاء أن أربط بين هذا الهاجس الشعري القوي وبين ثمرة من ثمار الشعر اليانعة التي يقدمها الشاعر الملهم أسعد البازي هدية لهذا الربيع الثقافي الذي يزدهي به فضاء الجهة.


في العنوان والأيقون المصاحب: من يقبـّل وجه الفراغ ؟ مركـّب مجازي يتحلـّى بمجاز الاستعارة الذي أضفى على الشعر حلية التعبير ومزيّة التجويد في القديم والحديث على السواء. أما الدليل العلاماتي لهذا التعبير فمجلاه النصي هو التشخيص المادي المتجسّد في أديم الوجه والمعرض، وجه الحياة الموسوم بوقع المأساة، ومعرض الوجود الموسوم بضجيج المفارقات. وتقوّي لوحة الغلاف هذا الميْسم الدلالي بما تنثره من خطوط وألوان تغلـّب البياض وتَخلط جوانبه بغبش السواد والحمرة الباهتة. وتلك رهانات تؤسس منطق التأويل وتغني دليل القراءة لهذا المتن الشعري.
في معارض النص: تقع الأضمومة في أربع وسبعين صفحة وتبلغ نصوصها السبعين ونيّفا، والنظرة الأولى حول مجموع هذه النصوص تقضي من ناحية الحجم بتمييز فئتين إحداهما تتسم بالطول النسبي وهي قليلة، وأهم عناوينها: عِقد الحمامة المفقود، الذي يقع في أربع صفحات. بالإضافة إلى نصوص: عمودي الفقري، ولعنة الغياب، ومدخل إلى السجن المركزي، وبالأخضر فقط، وكلها لا تتجاوز الصفحتين. ويغلب على هذا الصّنف البعد الواقعي الموصول بتجربة المدينة والقرية الكونية.أما الأخرى فتتسم بالمنحى الشذري القصير وهي الفئة الغالبة، ومن عناوينها: نسيان، اكتمال، عناد، غربة، انزواء، ضياع، اشتعال، صراع، سراح… وهي في مجموعها مقاطع صغرى لا تتجاوز في الغالب بضعة أسطر على مدى نصف صفحة.ويجمع بينها كما يلاحظ من تيمات العنونة غلبة الإحساس بفورة اليأس وسطوة العدم.
كتابة الذات والتَّرحال عبر هندسة اللغة: لم يعد الشعر غرضا ولا نوعا خالصا خاليا من غيره. إنه المنفرط القائم في انفراطه وانسجامه يتأتى في الكتابة. وأما اليد التي تكتبه فهي لا تختاره بل يختارها ليغمر بها ضفاف البوح بحبر الكلمات وأبخرة البياض.النص الشعري الحداثي لغة مكتوبة، ليس من الضروري أن يخوّل لها القيام بعرض معايير الخطاب عرضا كاملا، كما يقول بول ريكور، بل إن الصفة الكتابية للشعر أضحت فضاء لاشتغال النص ومِحكّا يصل بين النص وقارئه. والمتكلم في القصيدة التقليدية الموسومة بالشفاهة لا يختفي ولا يحضر من وراء حجاب، فهو سافر. أما في النص الكتابة فالأمر يختلف تماما ،لأن المتكلم محتجب متخفّ، بل إنه اختار أن يترك الصفحة تنوب عنه.النص الشعري الجديد / الحديث/ المعاصر (أوما بات يُطلق عليه النصّ الأجدّ) يتلاءم مع القراءة المكتوبة ولا يقبل القراءة الشفاهية، إلا إذا كان مطبوعا بسمات النص القصيدة أي النص الشفاهي المرتهن بالمتكلم. وفي هذه الأضمومة ما يشي بمقاربة البعدين، فهي قد تمضي جهة القصيدة حينا وصوب الكتابة حينا آخر. أما ذات الشاعر فهي تظل من خلال ذلك جميعا موسومة بنزوعها الخلاّق إلى الترحال عبر مناطق الإبداع التي تتيحها الكتابة النص وتُسندها روح القصيدة، وعبرهما تطول الرحلة عبر مناطق العالم ومحيط الوجود، بما يمكن أن ننعَته بخرجات التيه . وتعلـّة الأمر أنّ الإحساس الشّعري النفّاذ لا يتحقق للشاعر إلا من خلال تجربة الجوّال الذي لا تُسعفه الكلمات إلاّ في محيط الهواء الطلق.
الشعر كتابة في غور الوجود: الكتابة الشعر أو الشعر الكتابة بوح مفاجئ إشكالي ومعقّد يشعرك بأن غوايته الأولى هي حالة تيه. فترى الصور مضيئة وإيقاع الجملة يسري كنبض. وحتى إذا ما نظرنا إلى أن تموقع الأحرف والكلمات وما تخللها من بياضات يمنح الوهم بمدّ خفيف وهادئ ، فثمّة في العمق توتـّر فعلي يستضمر النص: توتر الإجهاد ونضال الشاعر ضد السهولة والإغواء. وقد كان مالارميه صاحب ضربة نرد يجسّد الهوس لتخْليص الكتابة من شائبة الرسم المثقوب والآراء المسبقة لكي نجعلها تتخلـّق لذاتها ضمن التوهج الخالص لخطاب اللغة.ومهما يكن من أمر، فالشعر لا يكتب من فراغ ولم يكن قط هكذا حتى في أصله الشفاهي. وفي بيت عنترة الشهير: هل غادر الشعراء من متردم دليل قطعي يشير إلى وجود سلف ومرجع للقول الشعري. يتيه الشاعر ويظل مرتحلا عبر مسافات وفضاءات لا تطوّقها الأسماء. فضاءات مفتوحة على كل الأزمنة موسومة بالبساطة الأشكال وعفوية الألوان. بلدان وأمكنة مشيّدة ولكنّ كلّ شيئ فيها يستدعي البناء أو يستدعي إعادة التشكيل وفق وجدان وروح جديدة. وعليه، تمتدّ المسيرة من الخارج إلى الداخل، تخترق الحدود من البرّاني إلى الجواني وتكتسح العوالم التي تهب الشفاء وتمنح الخلاص من قبضة القيود اللعينة.
في أضمومة (من يقبل خد الفراغ) تتلبس الكتابة الشعرية هذه المفارقة المغرية التي تجمع بين سحر العبارة وسمت الإشارة، بين أداء اللغة الذي يحقق دهشة الحضور ودليل المرجع المثخن بالمحو والفراغ والغياب. فإذا الكينونة تعلن عن بيان اغترابها وعزلتها وتواري ضجيج لحظتها بحدوس العدم:
اللّيلُ..الرّيحُ ورعشَةُ النَّخيلْ/ وهذا الفصلُ النحيلْ/ يُدوّي خداعَا/تسقط أوراقه تباعَا../على رصيف المنحدرْ /بريقُ خافتٌ / يُدفئ عُرْي الشّجرْ.. (حفيف السقوط،ص37)
هكذا يتملّى الشاعر الحياة فضاءً تؤطره رؤيا الذبول والانحدار والسقوط في الهاوية. فكلّ شيئ صار في مهبّ الريح وما تبقى من فصول الحياة فصل نحيل تهتاج فيه الرياح وتتساقط فيه الأوراق تحت نزيف الضياء وسطوة الظلام. وبعد أن تمتدّ رؤيا الفراغ عبر صيرورة الانحدار إلى الهاوية، تتقلص الكينونة في المنتهى إلى دائرة ضيقة تجسد فعل الاختناق وتنثره في المدى نقطا سوداء، على نحو ما ينثره نص: (مدخل السجن المركزي ص23)،عبْر شطراته القصيرة المتوازية التي تجسد حسّ الاختناق.
وفي نص لعنة الغياب ترجمة وافية لهذا البعد العدميّ الذي يوجّه الرؤيا الشعرية ويَبصم موقِف الكينونة من واقعها الموسوم بالعزلة والتوقف في لحظة الغياب.والذي يستوقف القارئ في هذا النص هو قوة التماسك والتآخذ والكثافة في متن العبارة الشعرية التي تكاد تجعل من النص جملة إنكارية استنفارية واحدة تجري على مدى صفحتين وتنتهي بعلامة استفهام. (لعنة الغياب ص:18)
أما الإطار الافتراضي الذي يضعه منطق الرؤيا الشعرية لهذه المعاناة المقرونة بالواقع والوجود فملمسه بادٍ من خلال الاشتغال بتيمة المدينة وفضائها الموتور الدال على وضعية الأسر والانسحاق كما تبين في النص السابق: مدخل السجن المركزي، وكما تفسّره مرموزات نص: (مزبلة)، الذي يلخص رؤية المدينة في صندوق القمامة. يقول الشاعر:
في صندوق القُمامة /لا أحد يفكّر في الغنيمة معطوبةً / أو في قيمة الوَرَثة الغاضبين/ وبصمتٍ ودونَ أن يرانا الجيران/ نرمي بأثقالنا كاملة / في المُهمَلات..(مزبلة، ص20)
وفي خطوة أخرى تعكس تطور المنظور الرؤيويّ يفاجئنا الشاعر بتنقيل الموقف وإعلاء الرهان من طور المدينة الموصولة بالدولة الإقليمية إلى طور القرية الكونية الموصولة بإمبراطورية العولمة. وهذا البعد الجديد في الرؤية الشعرية المحاصرة للواقع يترجمه الشاعر أسعد من خلال جملة من عناوين الأضمومة منها نص: كلّ شيء باد للعيان، وأحلام منفلتة. في النص الأول يقول الشاعر:
في غمضة عين / ألمحُ العالم يتآكل شبرا شبراً/ العالمُ فاغرا فاهُ/يغطّ في الدرك الأسفل/من غوغاء الجريمة/ ينمحي…. (كلّ شيئ باد للعيان، ص21 )
ومن خلال النص الثاني أحلام منفلتة يقول:
حلم أن تطاوع حلمك/لاقتناص ظبية نافرة/حلم أن تواصل حلمك/لإنقاذ قرية../أربكها فزع الطوفان/حلم أن يشقّ حلمك الأرض الخراب/ وأن يهشّم الكنز المكنون. (أحلام منفلتة، ص31)
ففي خطاب النصين ثمة مجلى لحوار الذات مع حلمها الطبيعي في توطيد الصّلة بالمرجع والمحيط، بيد أن العائق الموضوعي لا يكفل للحلم تحفيز المسار، لأن دائرة الإحباط لم تعد مقصورة على الذات في حدودها الفردية بل تتلبس بحدوس الشعر بأبعاد المأساة الكونية.
ثنائية الشاعروالحقيقة: الكتابة الشّعرية فعل يكفي من خلاله أن تلامس تضاريس الأشياء الحسّية حتى تحوّلها إلى كائنات شعرية محمّلة بتداعيات المعنى. على نحو ما يجليه المضمون الشعري في النص المعنون بالحقيقة:
يكفي أن تصرخ في وجه جثة/علها تنطق بما طالها من العذاب الأليم/قبل فوات الأوان…/يكفي أن تغازل ظل شجرة فارعة/كي تحبك شمس آيلة للغروب/يكفي أن تمسح الدمع عن الحزن/ كي تفرّ من ذنوب الآخرين…(نص الحقيقة ص11)
والكتابة الشعرية هي أيضا فعل يغازل أفق التوقع للقارئ ليجعله مرتهنا بسلسلة العلاقات التي تتولّد من تفاعل النصّ ومن خلاله يتمّ تلمس الغرابة في العلاقات بين الأشياء، حتى يحولها إلى ألفة وانسجام. ومن ثمّ فالشّاعر ذات موسومة بغواية البياض في وجود ممتدّ عبر الشّساعة كيما يطولَ مظاهر الفعل الإنساني الذي ينجرّ نحو دوّامة العدم:
لحدّ الساعة يجذبني البياض/ويسطو على يدي/علّي أمسح بالقفازين مساحيق القبح/من جمجمة القتلة/الذين أشعلوا فتيل الحروب/فوق أسطر الكآبه/وتركوا الأرض أكواما من ركام الجثث…( نص الشاعر 49)
هكذا تغدو كتابة الشعر أو شعر الكتابة فعلا مستحيلا مستعصيا في هواجسه المتدافعة صوب الإبداع إلاّ على الذات المبدعة عندما تحيط بها وسوسات البوح في لحظة من تفتق الغواية في حضرة الملكوت.فترى الشاعر يكتب بضميره المنفصل كما يكتب بضمير الجماعة المتّصل، وبالجوار قارئه الافتراضي كائنا شعريا نوعيا ذكيا ومخاتلا. بل وحتى الشّاعر بعد انتهاء لحظة الإبداع يؤول قارئا لنصه كما الآخرين.
الاغتراب في هذه الأضمومة هو الحقيقة المؤسسة الحقيقة الرحم التي تستفرد بملفوظ واحد يترجم لحظات الكينونة وتترجمها العناوين المفردة أي في صيغة المفرد(غربة، ضياع، انزواء، اختباء ، نسيان، وداع، …) وتستتبعها حقائق أخرى فرعية تجلي طبيعة الصراع الذي يكتنف الذات الشعرية في خضم تلك اللحظات ومؤشّرها الملفوظي تترجمها عنونات مركبة تتراوح بين المركب الموصوف أو الإضافي.أما المؤشر المنطقي فعماده بنية التضاد والتباين: (ورثة معاصرون، حائط الخسارة،زحف البشاعة والخراب، عقد الحمامة المفقود، رقصة ألم على رخام الخضراء…) والمعول في متن النصوص التي تقدمها هذه العناوين هو تسخير الصور النابضة بمنحى الصراع والتضاد، بيد أن الشاعر أسعد لا يغريه هذا الجنوح المفرط في اللعب على الأبعاد المفارقة التي تؤجل معنى النص وتحيطه بهالة الغموض وطقوس التأويل، وإنما تراه يقلب أبعاد المعنى الشعري في مهده الكتابي الموصول بالمرجعية ويرفعه إلى المتلقي موسوما بدليله القرائي المفتوح على الذخيرة.

عبدالسلام ناس عبد الكريم
الاثنين 14 يوليوز 2014


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan