كوابيس الرعب لا تتوقف في غزة بفعل قسوة الغارات الإسرائيلية



غزة - تنتظر 17 امرأة بوجوه شاحبة لقاءً أسبوعياً في قاعة مركز للدعم النفسي في غزة مع طبيب نفسي سعيا للتخفيف من حدة الاضطرابات التي يعانيها أطفالهن.
وسجلت النسوة ملاحظات سلبية عن سلوك نفسي متزايد لدى أطفالهن يتعلق باضطراب التبول اللاإرادي واضطراب كرب ما بعد الصدمة.
ويتفق هؤلاء بأن دوي انفجارات الغارات الإسرائيلية التي بالكاد لا تنقطع أسبوعا عن قطاع غزة تلاحق أطفالهن بالشعور بالفزع والخوف الشديدين.
وعن ذلك تقول إحداهن وتدعى سعاد وهي أم لخمسة أطفال، إنها تسعي لعلاج طفليها الصغيرين اللذين لم يتجاوزا ستة وخمسة أعوام منذ أشهر لكن كلما شعرتا بتحسن لديهما تتجدد الاضطرابات لديهم.


 

وتوضح أنه كلما دوى انفجار غارة إسرائيلية استفاق أطفالها من النوم فزعين يصرخون ويبكون بشدة وهو ما أدى إلى تفاقم حالتهما ما دفعها للجوء إلى طلب دعم نفسي لهما.
ودأبت إسرائيل على شن غارات بطائرات حربية على قطاع غزة في أوقات الليل مستهدفة مواقع تدريب وأراض خالية غالبا ما تتبع لحركة "حماس" التي تسيطر على القطاع منذ منتصف عام 2007.
وعادة ما تبرر إسرائيل غاراتها المتكررة بشدة بالرد على إطلاق قذائف محلية تطلق من قطاع غزة على أراضيها أو حدث توتر أمني على الحدود معه.
وفي أغلب الأحيان لا تسبب تلك الغارات إصابات بشرية لطبيعة أن تلك المواقع تكون مخلاة ليلا لكن مختصين وسكان يقولون إن تأثيرها النفسي بالغ جدا.
وبالنسبة إلى سهيلة زياد وهي في منتصف الثلاثينات من عمرها فإن الغارات الليلة الإسرائيلية تكرست مثل كابوس مرعب لديها ولدى أطفالها.

وسجلت سهيلة اسمها مع أطفالها للحصول على دعم نفسي، وتقول إنها لا تتذكر بنفسها سوى أنها ترتجف رعبا كلما دوى انفجار غارة جديدة على الرغم من البعد الجغرافي النسبي لمكان الاستهداف عن منزلهم.
أما طفلتها سلمى البالغة 7 أعوام فتعاني من علامات قلق وخوف مرتبطة بدوي انفجارات الغارات تشمل الخوف من الأصوات العالية المفاجئة والطائرات وكوابيس متكررة وتبول لاإرادي.

وصاحت سيدة عرفت نفسها بأم جمال أمام الطبيب المختص بالدعم النفسي في مشهد تمثيلي لما يحدث مع طفلها محمود /5 أعوام/ عند كل دوي غارة إسرائيلية. وتقول إن طفلها يعاني الأمرين نفسيا في كل ليلة بفعل تراكم تأثيرات دوي الانفجارات على نفسيته.
وقطاع غزة الذي يكتظ بأكثر من مليوني نسمة شريط ضيق لا تتجاوز مساحته 360 كم مربع.

وغالبا ما تسبب غارات إسرائيل بمقاتلات حديثة من طراز (f 16) و(الأباتشي) دوي انفجارات هائلة تسمع في أغلب أرجاء القطاع وتصيب أكبر عدد من السكان بالفزع. كما أن تلك المقاتلات كثيرا ما تشن ما يطلق عليه السكان هنا غارات وهمية عبر اختراق جدار الصوت.
وحتى في حالات إطلاق فصائل مسلحة من غزة قذائف محلية على إسرائيل فإنها تسبب دوي انفجارات تزيد بقوة عند اعتراضها من منظومة إسرائيل الدفاعية المعروفة إعلاميا باسم "القبة الحديدية".
ويقول مدير برنامج غزة للصحة النفسية الطبيب ياسر أبو جامع لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) إن سكان القطاع يعانون بشكل بالغ من مستويات قياسية من الصدمة والاضطرابات النفسية.
ويوضح أبو جامع أن "مجتمع قطاع غزة عايش صدمات نفسية بشكل شديد في الحروب الإسرائيلية وجولات العنف المتكررة، ومجمل السكان كانوا يتعرضون على مدار الساعة لأحداث نفسية صادمة".

وشنت إسرائيل ثلاثة حروب على قطاع غزة في الفترة من 2008 إلى 2014، لكن جولات التوتر بينها وبين الفصائل الفلسطينية تعد أمرا دوريا.
وزاد التوتر منذ بدء احتجاجات مسيرات العودة الشعبية في 30 آذار/مارس الماضي على أطراف قطاع غزة للمطالبة برفع الحصار الإسرائيلي والتي قتل فيها أكثر من 220 فلسطينيا.

يقول أبو جامع إن "الاستشفاء من الأحداث الصادمة يتطلب الشعور بالأمان والاستقرار وعدم تكرار الأحداث الصادمة بما تحمله من آثار نفسية سلبية لكن للأسف هذا أمر غير متوفر للسكان في غزة".
ويضيف أن "سكان غزة لم يتمتعوا منذ انتهاء أخر حروب إسرائيل صيف عام 2014 إلى الآن بالوقت الآمن الذي يسمح لهم بالاستشفاء والتعافي وهذا ينسحب بشكل رئيسي على الأطفال
وينبه إلى أن "استمرار تعرض سكان غزة لدوي الغارات يعمل على تكريس الصدمة النفسية لديهم وإعاقة الاستشفاء بل حدوث انتكاسة مستمرة لحالات العلاج"، لافتا إلى تسجيل أعراض شائعة لدى الأطفال بالتبول اللاإرادي والكوابيس أثناء النوم نتيجة واقع المعاناة من الصدمة النفسية.

وسجل برنامج غزة للصحة النفسية توفير خدمات علاجية وارشادية لما يزيد عن 2800 حالة بشكل مباشر ولأكثر من ألف حالة عبر الهاتف خلال العام 2017 فقط. ويقول أبو جامع إن اضطرابات النوم والفزع الدائم وحالات الاكتئاب المزمن أمر شائعا لدى سكان غزة.
وسبق أن أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن واحدا من كل أربعة أطفال في قطاع غزة بحاجة لدعم نفسي اجتماعي (أي نحو 225 ألف طفل).
وحذرت المنظمة الدولية من تغييرات نفسية سلبية لدى الاطفال في قطاع غزة مثل شيوع التبول اللاإرادي، والصراخ/البكاء غير العادي، وإظهار سلوك عدائي خصوصا بين الذكور.
ويقول مدير وحدة البحث الميداني في مركز "الميزان لحقوق الإنسان" الناشط في غزة سمير زقوت لـــ(د.ب.أ)، إن غارات إسرائيل على قطاع غزة تلحق إضافة إلى الخسائر البشرية والممتلكات "أضرارا نفسية جسيمة للمدنيين وهو ما يشكل انتهاكا جديا لحقوق الإنسان".

ويشير زقوت إلى أن "ممارسة الترويع والترهيب النفسي ومحاولات بث الرعب في نفوس المدنيين سواء عبر غارات على منشآت خالية بعدد كبير من الصواريخ أو عبر الغارات الوهمية هو أمر تحظره اتفاقية جنيف الدولية ويشكل مخالفة للقانون الدولي الإنساني ".

عماد عبد الموجود
الخميس 8 نونبر 2018


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan