متحف النيل فى اسوان ... همزة وصل بين مصر وبلدان القارة السمراء



مصر/أسوان " الحمد لك يا أيها النيل الذي يخرج من الأرض ويأتي ليطعم مصر ... تلك المياه والرياض التي خلقها رع لتطعم كل القطعان. والتي تروى أرض الصحراء البعيدة عن الماء؛ إنها نداه الذي يسقط من السماء " ... هكذا كان قدماء المصريين يقدسون النيل، الذى أحبوه وجعلوا له مكانة خاصة فى قلوبهم.


وقد ورث المصريون قدسية النيل، من أجدادهم القدماء، فأقاموا له متحفا خاصا. ففوق ربوة عالية قرب خزان اسوان، فى اقصى جنوب مصر، يقع متحف النيل، الذى يعد بمثابة همزة وصل بين مصر وبلدان قارة افريقيا، وبخاصة تلك الدول المطلة على حوض النيل. وكما يقول المهندس هشام فرغلى، المدير العام الأسبق للمتحف، فإن مصر نجحت من خلال تصميمات ومقتنيات ذلك المتحف، فى استحضار تاريخ النيل وقدسيته، وأعادت إلى ذاكرة الأفارقة جميعا صورا من حياة ذلك ذلك النهر الخالد، كشريان حياة عبر الزمان. كما سعت مصر من خلاله، لأن يكون منطلقا لمزيد من آفاق التعاون مع بلدان القارة السمراء بوجه عام، وبلدان حوض النيل بوجه خاص. ويحظى المتحف بإقبال كبير من قبل الشعوب الافريقية، الذين يأتون لزيارة مصر، والذين يقدرون بعشرات الآلاف فى كل عام. كما أن المتحف أحد أهم المزارات المتحفية فى مدينة أسوان، والتى تضم الكثير من المعابد والمقابر التى شيدها قدماء المصريين، بجانب السد العالي، وخزان اسوان، ونصب الصداقة المصرية الروسية، المجاور للسد العالي، وهى منشآت ثلاث ترمز إلى العمق الإفريقي لمصر. وكما يقول المهندس هشام فرغلى، وهو أحد الذين شاركوا فى تشييد متحف النيل بأسوان، فإن المتحف نجح ومنذ طرح فكرته فى جمع بلدان حوض النيل الإحدى عشر، والتى تتجاور بعض آثارها تحت سقف واحد بالمتحف، حيث جرى تخصيص جناح خاص لكل دولة منها لعرض مقتنياتها الأثرية ذات الصلة بنهر النيل ، ولرواية تاريخها مع النهر الخالد . وكما تقول عزة عبدالرحمن، الباحثة المصرية فى علوم المصريات، فقد حرصت مصر على أن يضم متحف النيل، تاريخ ذلك النهر منذ عهود الفراعنة وحتى اليوم، بجانب الكثير عن تاريخ السد العالي ، وأولئك الشهداء الذين سقطوا خلال اعمال تشييده. وبحسب عزة عبدالرحمن، فقد شُيٍد المتحف على الطراز النوبي ، وهو مكون من ثلاثة طوابق، ويضم قاعات للعرض والمؤتمرات ومكتبة تعرض لكل ما كتب عن نهر النيل الخالد . ويعرض لوحات ومقتنيات وقطع أثرية تحكي تاريخ ورحلة جريان نهر النيل من منابعه حتى مصبه في البحر المتوسط ، كما يضم المتحف مئات الصور والمعروضات التي تحكى تاريخ النيل والمشروعات المصرية التي أقيمت عليه، ويوضح المتحف لزائريه تطور أعمال الري وأدواته فى مصر الحديثة منذ عصر محمد على. كما يعرض المتحف خرائط وتصميمات إنشاءات وزارة الري بدءاً من مشروع القناطر الخيرية ، وحتى المحطة العملاقة للري بمنطقة توشكى ،مروراً بمشروع السد العالي، كما يعرض المتحف وثائق بناء السد العالي والأدوات التى استخدمت فى بنائه ، ومواد فيليمة وصورا تاريخية تجسد مراحل بنائه، ولوحة تذكارية من الرخام تضم أسماء الشهداء ممن عملوا فى المشروع من مهندسين وفنيين وعمال، ونقش على بوابات المتحف باللغة الفرعونية القديمة “مصر هبة النيل”. ويضم المتحف 61 لوحة فنية مهمة توضح أبرز ما تناوله كبار الفنانين المصريين لرحلة نهر النيل فى مصر، بجانب قطعة أثرية ، تتعلق جميعها بتاريخ نهر النيل . وتعد فكرة اقامة المتحف استحضارا لما عرفته مصر ، من تقديس لنهر النيل ، واهتمام به منذ عصور الفراعنة ، حيث ربط قدماء المصريين بين جريان ماء النيل ، وبين التزامهم بالأخلاق والمثل الاجتماعية ، فوصف الحكماء الكهنة في الأدب المصري القديم كيف أن النيل توقف عن غمر الأرض وكيف هددت البلاد بالمجاعة نتيجة للفوضى الاجتماعية. وكيف تأثرت نشأة الحضارة المصرية القديمة بالفيضان السنوي لنهر النيل ، وكيف علمهم النيل قيمة التوحد والعمل معا من أجل حماية أنفسهم من الأخطار، وكيف كان النيل أيضا سببا فى قيام قدماء المصريين بدراسة الفلك، لمعرفة وقت الفيضان؛ مما أدى إلى نشوء التقويم الزمني ، ولأن النيل كان مقدسا بالنسبة لقدماء المصريين ، فقد حرموا أى أعمال تؤدى لتلوث مياهه التى كانت جزءاً أساسياً من طقوس العبادات وغسل الموتى. وتغنى المصريون القدماء بـالنهر المقدس، وجعلوا له عددا من الآلهة والأرباب . كما يوثق متحف النيل، كيف كان لذلك النهر الخالد، كل هذا التأثير الكبير فى حياة المصريين ، منذ عهود الفراعنة ، وخاصة فيما يتعلق بالزراعة والمعتقدات الدينية ، حيث اعتمدت الحضارة المصرية القديمة على نهر النيل في الطعام والانتقال، كما أن الممارسات الدينية لقدماء المصريين كانت تعكس أهمية النيل بالنسبة لهم ، فصلى المصريون القدماء للإله " حابى " والنيل وشكروه على كل النعم التى منحها للناس، وخاصة أثناء الاحتفال بالفيضان. وليس النيل وحده هو الذى يربط مصر بقارتها الافريقية، فمن المعروف أن مصر ترتبط بعلاقات اقتصادية تاريخية مع بلدان افريقيا ، ترجع لألاف السنين ،وبحسب علماء المصريات ، فإن علاقة مصر بأفريقيا بدأت منذ عام 1503 قبل الميلاد ،وتجسدت تلك العلاقات آنذاك ، فى رحلات قدماء المصريين إلى بلاد بونت الإفريقية ، وقد وجدت أدلة تاريخية على ارتباط مصر الفرعونية ببعض قبائل نيجيريا وغرب أفريقيا وبين القبائل النيلوتية في أعالي النيل وفى محور شمال أفريقيا. وكان أول تبادل تجارى بين مصر القديمة وأفريقيا فى عهد الملكة حتشبسوت، التي حكمت من عام 1503 إلى 1482 قبل الميلاد ، وأرسلت فى العام السادس أو السابع من حكمها خمس سفن ضخمة إلى بلاد بونت أرض البخور لإحضار منتجات تلك البلاد إلى مصر تحت قيادة القائد نحسي وقد بدأت رحلتها من أحد موانئ البحر الأحمر قرب وادى الجاسوس بالصحراء الشرقية.

حجاج سلامة
الجمعة 1 فبراير 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث