مشروع طموح يحول الصحراء إلى وطن للأسماك في تطاوين التونسية





تطاوين (تونس) - طارق القيزاني– كانت فكرة محمد التونكتي بإطلاق مشروع لتربية السمك في قريته "توناكت" الواقعة بقلب الصحراء التونسية، كفيلة بإثارة التندر والسخرية من حوله.
وسبب التندر هو أن محمد ينحدر من بيئة صحراوية جافة بولاية تطاوين التي تبعد عن جزيرة جربة السياحية كأقرب نقطة على ضفاف البحر نحو 130 كيلومترا، وهي جهة لا تختص بالمنتجات البحرية كما أن أكل السمك لا يعد من عاداتها الغذائية.
بشكل عام تعد أحواض تربية الأسماك في تونس حلا بديلا لبداية استنزاف الثورة السمكية البحرية منذ عقد الستينيات من القرن الماضي، لا سيما مع توسع التلوث البيئي بفعل مخلفات المصانع المنتشرة على المدن الساحلية والصيد المكثف والعشوائي.
لكن في بلد يتمتع بسواحل تمتد على نحو 1300 كيلومتر على ضفاف البحر المتوسط، يعد اطلاق مشروع مماثل لتربية السمك في قلب الصحراء خطوة ضد التيار.


 
ولم يكن من السهل على محمد أن يقنع عائلته والإدارة في جهته بجدوى المشروع والحصول على رخصة لانجازه. لكنه نجح في الأخير بأن يبدد الصعوبات بالحصول على تمويل.
وقبل إطلاق مشروع تربية الأسماك، كان محمد يتابع تدريبا في مجال نجارة الالمنيوم. وقد كان شغوفا بصناعة الأحواض البلورية لتربية أسماك الزينة (الأكواريوم) التي برع فيها.
وبدأت فكرة المشروع عندما عثر صدفة أثناء تصفحه للإنترنت على إعلان يتعلق ببرنامج لتربية سمك "تيلابيا" أطلقته منظمة "مهارات النجاح" غير الحكومية التي تتخذ من تطاوين مقرا لها.
وهذا النوع من الأسماك قادر على العيش في المياه العذبة أو قليلة الملوحة في المناطق ذات المناخ الحار، مثل تطاوين التي تصل درجة الحرارة فيها إلى معدلات قياسية خصوصا في الصيف.
تمكن محمد من تنفيذ المشروع بفضل تشجيع والديه اللذين ساعداه بمبلغ خمسة آلاف دينار، وحصل على تمويل بقيمة 15 ألف دينار من منظمة "مهارات النجاح".
ومكنت المنظمة محمد التونكتي من الحصول على تدريب في مجال تربية الأسماك بمركز مختص في جزيرة جربة. وكلفت من أجله لاحقا مختصا ساعده في تهيئة الفضاء الذي سيحتضن مزرعة تربية الأسماك.
قام محمد ببناء أحواض من الأسمنت وملأها بالماء العذب من بئر عميقة عمرها عشرات السنين، تقع في مزرعة والديه. ثم استزرع في الأحواض خمسة آلاف يرقة من السمك جلبها من مركز يقع قرب العاصمة تونس.
تزن اليرقة الواحدة خمسة جرامات ويستمر تسمينها سبعة أشهر إلى أن يصبح وزنها 350 جراما، فيتم بعد ذلك بيعها في السوق.
يقول محمد أنه بعد عامين من انطلاق المشروع ارتفعت إنتاجية مزرعة السمك الى مئة كيلوجرام أسبوعيا.
وحتى عقود قريبة لم يكن تناول الأسماك من العادات الغذائية الأصيلة لسكان ولاية تطاوين الشهيرة بتربية الإبل، لكن تزايد انتاج الاحواض الإصطناعية للسمك المدجن جعل مثلا سمكة "الدوراد" طبقا شائعا.
وعلى الرغم من الارتفاع الكبير لأسعار اللحوم وأغلب المواد الغذائية منذ عام 2011 بسبب التضخم والأزمة الاقتصادية في البلاد، حافظت أسعار أسماك "الدوراد" على جاذبيتها لدى المستهلكين من الطبقات ذات الدخل المحدود.
وقد سمحت الاحواض الاصطناعية من مضاعفة إنتاج السمك على المستوى الوطني إلى أكثر من 200 بالمئة عام 2017 بينما يوجه غالبية الانتاج إلى قرابة 50 دولة من بينها الجزائر وليبيا وفرنسا وإيطاليا وكندا ودول الخليج العربي.
وما ساعد في انتعاش هذا القطاع، هو بداية تطبيق السلطات في تونس منذ العام 2009 لقاعدة "الراحة البيولوجية" الاجبارية التي تمنع صيد الأسماك البحرية في فترات محددة من كل عام بهدف الحد من استنزاف الثروة السمكية ومن آثار التلوث البيئي على السواحل.

يبيع محمد منتوجه للسكان بسعر يتراوح بين عشرة وثلاثة عشر دينارا للكيلوجرام الواحد. كما أقام مطعما قرب مزرعته يقدم أطباق السمك المشوي. وأصبح كثير من سكان القرية زبائن أوفياء لمطعمه لا سيما وأن السمك غير متوفر في ولاية تطاوين.
وقال أحد المترددين على مطعمه وهو رجل سبعيني لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) "لو لم أر بعيني أحواض السمك في هذا المكان ما كنت لأصدق أنه تم انتاجه في صحراء تطاوين".
وأضاف "نوعية السمك جيدة ومذاقه طّيب وأنا آتي دائما الى هنا لشرائه".
لكن محمد يواجه تحديات كثيرة في مشروعه الجديد. فتربية السمك تتطلب عناية كبيرة، وهي تحتاج لتغيير مياه الأحواض باستمرار، وإطعام السمك بمعدلات تتراوح بين أربع وست مرات في اليوم بحسب عمر السمكة.
ويقول محمد "إن الصعوبات التي تواجهنا في المشروع هي ارتفاع سعر اليرقات وعلف الأسماك، وكثرة استهلاك المياه المستعملة في التنظيف اليومي لأحواض السمك".
مع ذلك بدأ الشاب في التوصل إلى حلول لتلك المعضلات. فقد تمكن بمساعدة طلاب جامعة في العاصمة تونس زاروا مزرعته، من أعادة تدوير مياه تربية الأسماك، الغنية بالأملاح والمعادن.
وبدلا من إلقاء هذه المياه في الطبيعة، شرع محمد في استعمالها في انتاج نبتة الخس. وهو يخطط لاستعمالها كذلك في إنتاج محاصيل زراعية أخرى مثل الطماطم والفلفل وحتى الفراولة.
كما شرع الشاب تدريجيا في إنتاج يرقات السمك بنفسه وتلقى تدريبا في مجال تربية نوع من الديدان يتغذى عليه السمك ما سيجعله يدخر أموال شراء العلف المستورد الباهظ الثمن.
وقال محمد "إن نجاح مشروعه جعل شبانا آخرين في بلدته يفكرون في إطلاق مشاريع مماثلة".

طارق القيزاني
الاحد 3 فبراير 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث