الربيع العربي مستمراً

15/01/2019 - علي انوزلا



مشكلة عويصة في أمريكا اللاتينية اسمها البدانة




سانتياجو - كاترينا مير و أنتونيا ميرتس هويزر - من يذهب للتسوق في متاجر تشيلي يرى سوادا، بالمعنى الحرفي للكلمة.
إنها ثُمانية الأضلاع ويصعب تجاهلها، تلك الرموز التحذيرية السوداء الموضوعة على السلع الغذائية غير الصحية.
تلك اللوحات التي تبرز على واجهة الكثير من المعلبات وتحذر من الكميات المرتفعة من السكر والملح والسعرات الحرارية والأحماض الدهنية المشبعة.
تقول كاميلا جاياردو، وهي شابة تشيلية في الرابعة والعشرين من عمرها : "تتسبب هذه الرموز في إيلام ضميري" مشيرة إلى أنها تبحث عند ذهابها للتسوق عن منتجات بلا ملصقات تعريفية، أو بالأحرى تحذيرية.
ولكن ليس كل التشيليين يتأثرون بهذه الحملة الصحية الجديدة.


فها هو ذا ميجويل توليدو ، على سبيل المثال، يقول إنه لا يأبه على الإطلاق بالتحذيرات المكتوبة على المعلبات. ولا يخفي هذا الشاب البالغ من العمر 31 عاما سرا أنه بدين. كان بدينا بالفعل في صغره، تماما مثل أبويه و أخوته.
نحو 60% من السكان في أمريكا اللاتينية مصابون بالسمنة. ويمثل النمو الاقتصادي والتزايد في مظاهر المدنية والحضر وتزايد متوسط الأجور، بعض أسباب هذه البدانة. تعتبر جزر البهاما على رأس دول أمريكا اللاتينية معاناة من هذه المشكلة حيث تبلغ نسبة الإصابة بالبدانة 69% من سكانها، مقارنة بـ 64% من سكان المكسيك، و 63% من سكان تشيلي، وذلك وفقا لبيانات منظمة الصحة للبلدان الأمريكية.
كما أن هذه الزيادة المستمرة في البدانة تطال السكان قبل مرحلة الشباب حيث أكد تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن 5ر44% من جميع الأطفال في تشيلي مصابون بالسمنة، وبذلك فإن هذا البلد الجنوب الأمريكي يتفوق حتى على الولايات المتحدة نفسها والتي ظلت على مدى سنوات تحتل المركز الأول من ناحية البدانة بين الأطفال، حيث تبلغ نسبة البدناء من الأطفال في الولايات المتحدة 9ر39%، مقابل 35% في المكسيك.
إنه تطور له تداعيات جسيمة، فالبدانة وزيادة الوزن عن المتوسط الصحي تزيد من خطر الإصابة بمرض السكر وأمراض الدورة الدموية والسرطان.
كما أنه من الممكن أن تتسبب السمنة في سن الطفولة إلى جانب الأضرار الصحية، في أضرار نفسية.
ومن غير المستبعد أن يصاب الشخص البدين أيضا باضطرابات غذائية وحالات اكتئاب وضعف الاعتداد بالنفس.
وتعتبر البدانة أيضا عاملا له تأثير سلبي على النفقات، حيث تقدر وزارة الصحة المكسيكية أن التكاليف التي نتجت عام 2017 عن الأمراض التي تسببت فيها البدانة بلغت ما يعادل 4ر10 مليار يورو.
هناك اختلاف في ردود الفعل الناجمة عن هذه البيانات الصادمة والمنذرة، ولكن ليس هناك بلد جنوب أمريكي كانت له ردود فعل بنفس قوة ردود الفعل التشيلية، حيث سارعت وزارة الصحة التشيلية باتخاذ إجراءات صارمة ضد هذا التطور.
وليست هذه اللوائح السوداء الموضوعة على السلع الغذائية غير الصحية سوى إحدى نتائج الحملة المكثفة التي شنتها الوزارة ضد البدانة.
تعمل هذه اللوائح عمل إشارات المرور التي توقف السيارات عند خط فاصل عن منطقة الخطر، خاصة لدى الأطفال، حسبما أوضحت وزيرة الصحة التشيلية السابقة، كارمن كاستيلو، التي شاركت بشكل كبير في فترة ولاية رئيسة تشيلي الاشتراكية ميشيله باشيليت، في تنفيذ هذه الحملة.
هناك إلى جانب هذا التعريف المحذر من السلع الغذائية التي تمثل خطورة على الصحة، لوائح قانونية تحظر الترويج لهذه الأغذية وبيعها، حيث أصبح محظورا بيع هذه الأغذية في أفنية المدارس في تشيلي. كما يحظر الترويج لهذه الأغذية نهارا في التلفاز والراديو والسينما. كما يحظر توجيه الإعلانات الخاصة بهذه السلع الضارة صحيا للأطفال تحت سن 14 عاما.
طالت هذه الضوابط الجديدة الكثير من الشركات المنتجة، وأصبحت شركات كبيرة مثل شركة كيلوجس، ملزمة بإزالة الشخصيات المرسومة على علب وجبات الحبوب.
وتم استبعاد "البيضة المفاجأة" من على أرفف المتاجر.
واضطرت سلسلة مطاعم ماكدونالدز هي الأخرى لتكييف وجبة "هابي ميل" الشهيرة في فروعها في تشيلي مع هذه الضوابط.
وانتقدت الكثير من الشركات والاتحادات المعنية بالصناعات الغذائية سياسة الحكومة في هذا الشأن، بل إن شركة فيريرو لجأت للقضاء، ولكنها فشلت.
لكن المكسيك بعيدة كل البعد عن مثل هذه الإجراءات. فرغم أن وزارة الصحة المكسيكية أعلنت عام 2016 عام طوارئ لمكافحة البدانة ، يعتبر نصف أطفال المكسيك معرضين لخطر الإصابة بمرض السكر.
ورغم ذلك فإن أكشاك البيع الصغيرة ذات المعلبات البراقة والملونة تتجمع أمام بوابات المدارس. هنا يروج بين الأطفال للمصاصات وألواح الشكولاتة و أكياس رقائق البطاطس المقلية إلى جانب المتعلقات ذات الصلة بالألعاب و والبطاقات الملونة التي يجمعها الأطفال كلعبة.
وفقا لمنظمة "البودر ديل كونسوميدور" غير الحكومية المكسيكية فليست هناك إجراءات ملزمة للبائعين، خاصة بشأن غذاء المدارس.
وترى المنظمة أن الضوابط الحالية ذات نوايا طيبة ولكنها لا تطبق في الواقع أو لا تطبق بالشكل الكافي.
وتشدد المنظمة على ضرورة المسارعة في جعل هذه المعايير ملزمة، مثل تلك اللائحة التي اقترحت عام 2016 لفرض ضريبة قدرها 10% على المشروبات التي تحتوي على السكر، وهو ما أدى سريعا لانخفاض استهلاك المشروبات الغازية هناك بنسبة 3ر6%، وفي الوقت ذاته ارتفع استهلاك المياه بنحو 13% حسبما أوضح باحثون في التغذية العام الماضي في مجلة "زي جورنال اوف نوتريشن".
ليست هناك رغبة في ألمانيا على سبيل المثال لتطبيق مثل هذه الضريبة وذلك رغم أن دراسة لمعهد روبرت كوخ الألماني مطلع العام الجاري أظهرت أن 7ر13% من الفتيات و 6ر17% من الفتيان يلجأون للمشروبات المنعشة التي تحتوي على سكر ما يصل إلى ثلاث مرات يوميا.
وفي تشيلي ظهرت فعالية القوانين الجديدة، بل إنه وقبل سريان القانون خفض 20% من المصنعين مقادير الملح والسكر والدهون والسعرات الحرارية في السلع الغذائية، حسبما أوضحت وزيرة الصحة السابقة كاستيلو، التي اعتبرت ذلك "رد فعل رائع".
ولكن ذلك لم يؤد حتى الآن لانخفاض وزن التشيليين "فمن الصعب جدا توطيد عادات غذائية صحية" حسبما رأت كاستيلو، مشيرة إلى أنه من السابق لأوانه تقييم التجربة بعد مثل هذا الوقت القصير.
ومع ذلك فإن تشيلي أصبحت نموذجا لكثير من البلدان الأخرى.
 

كاترينا مير و أنتونيا ميرتس هويزر
الاربعاء 21 نونبر 2018


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan