وحدة سرية لطباعة اليورو في إيطاليا تتحدى المزيفين






روما - أنيت رويثر– المشهد في هذا المكان يثير العجب، فهنا يرتفع طول البرج الذي تصطف فيه حزم أوراق النقد الجديدة إلى قامة رجل راشد، بينما تتكوم صناديق كرتونية بيضاء اللون الواحد فوق الآخر على ألواح خشبية، ومن الصعب على الناظر أن يتخيل أن تلك الصناديق التي تبدو مهملة تحتوي على 40 مليون يورو (45 مليون دولار)، في عملات ورقية كل منها من فئة المئة والمئتين يورو خرجت ساخنة توا من مطبعة أوراق النقد.

وفي يوم من أيام الثلاثاء بدأ توزيع هذه الأوراق المالية الجديدة، وبدأت حياتها كعملات في روما مارة من طريق واسع يمثل شريانا حيويا تنتشر على خلفيته قناطر مائية قديمة.


 
وفي جناح شديد الحراسة والتأمين من البنك المركزي الإيطالي، نجد خبراء البنك المركزي الأوروبي منهمكين في طباعة أوراق النقد اللازمة لجميع دول منطقة اليورو الأوروبية، وتصدر أصوات طنين عن آلات عملاقة مقامة داخل قاعات واسعة، كما تصدر أصوات أزيز عن العملات الورقية التي تمر عبر مقياس معين بحدد حجمها، وبمشقة يحمل رجال منتشرين بالمكان أفراخا من الورق كبيرة الحجم عبارة عن أوراق نقدية مطبوعة، ويقومون بفحص مدى جودتها ثم تبويبها ويدونون بيانات خاصة بها على أجهزة الكمبيوتر.
وتمر الورقة النقدية بمراحل مختلفة، فالأوراق القطنية المستخدمة في الأوراق من فئة المئة والمئتين يورو تأتي من مصنع بفرنسا، كما يتم دمج العلامة المائية داخل الأوراق في هذا المصنع أيضا.
ويتم في روما إضافة شريحة معدنية جديدة لأول مرة، ومن المفترض أن هذه الشريحة تجعل من المتعذر تزوير هذه العملات، فهي تحتوي من بين مكونات أخرى على صورة فريدة من نوعها ثلاثية الأبعاد مجسمة بالليزر لقمر اصطناعي، تدور داخلها رموز اليورو حول الرقم، ونافذة صورة تظهر فيها رأس الشخصية الأسطورية "يوربا" وهي امرأة فينيقية بارعة الجمال تم تسمية القارة العجوز باسمها.
وتم طبع الأوراق المالية الجديدة باستخدام نوعية خاصة من الأحبار غير متاحة للبيع في المتاجر، وفي نهاية العملية تقوم آلة بقطع الأوراق المالية لتتخذ شكلها الصحيح، وتتم في داخل نفق مراجعة كل التفاصيل مرة أخرى قبل أن يقوم روبوت بتعبئة حزم النقود التي تم الانتهاء منها داخل الصناديق البيضاء.
وكانت آخر مرة تم فيها إصدار نسخ جديدة من اليورو عام 2002.
ويقول هيرالد داينهامر وهو خبير بقسم أبحاث وتطوير العملات الورقية بالبنك المركزي الأوروبي، إن "التكنولوجيا تطورت بالطبع، كما أنها تطورت بالمثل بالنسبة لمزوري العملات، ومن هنا فقد حان الوقت بالنسبة لنا لأن نتخذ الخطوة التالية من الناحية التقنية لنكون متقدمين خطوة عن المزورين".
ويمسك داينهامر بالأوراق المالية الجديدة في يديه ويقلبها على الجانبين، ويقول "تحسس، وانظر، واجعلها تميل"، وهذه هي الطريقة المثالية للتعرف على الأوراق المالية المزورة، وهذه الأوراق المالية الجديدة لا تتمتع فقط بصور جديدة ثلاثية الأبعاد وبأرقام زمردية اللون بتفاصيل يمكن رؤيتها عندما يتم إمالة الورقة، بل توجد أيضا خطوط صغيرة على حوافها تكون بمثابة علامات خاصة بحاسة اللمس تم تصميمها لصالح الأشخاص فاقدي البصر.
وبشكل عام استغرق الإعداد لإصدار العملات الجديدة أكثر من عشرة أعوام ، ولا تكاد تكون هناك عملات أخرى غير قابلة للتزييف مثل اليورو، كما أن الإصدارات الجديدة من فئة المئة والمئتين يورو تعد أكثر العملات التي أصدرها البنك المركزي الأوروبي من حيث التأمين، وذلك وفقا لما يقوله داينهامر.
ويضيف إن "كمية النقود المزيفة ثابتة ومنخفضة للغاية.
ويتم رصد نحو ما يتراوح بين نصف مليون و600 ألف يورو مزيف كل عام مقارنة بنحو 22 مليار يورو من الأوراق النقدية الحقيقية، ويشير داينهامر قائلا "إذا أردت تجميع جميع الأوراق المالية لليورو سيصبح أمامك برج يبلغ ارتفاعه 2000 كيلومتر، وإذا فعلت نفس الشيء بالنسبة للأموال المزيفة من اليورو سيكون ارتفاع البرج 70 مترا فقط.
ويعد عامل التأمين أساسيا ليس فقط فيما يتعلق بالتصميم ولكن تتمثل أهميته أيضا أثناء عمليات الإنتاج والنقل.
وأولئك الذين يريدون العمل في وحدة طبع الأموال هذه يجب أن يكونوا جديرين بالثقة، ويتعين عليهم التوقيع على وثيقة تحظر عليهم التحدث عن عملهم أو إفشاء معلومات حساسة، ويمنع أيضا تصوير العاملين بهذه الوحدة فوتوغرافيا أو سينمائيا، حتى لا يمكن التعرف على هويتهم ومن ثم تعريضهم لخطر تلقيهم تهديدات.
وإلى جانب ذلك ليس من المفترض أن يعلم أحد العاملين بالضبط مكان آلات طباعة العملات، وبالتالي يحظر أيضا تصوير النوافذ والأبواب الخاصة بالمطبعة، ويتم التخلص من بقايا الأوراق باعتبارها من المخلفات ذات الطبيعة الخاصة، بهدف منع المزورين من الحصول على معلومات عن نوعية المادة المصنوع منها الأوراق النقد.
وعندما تغادر العملات التي انتهى العمل منها المبنى المؤمن جيدا تعد هذه لحظة حرجة جدا بشكل خاص، فيتعين نقل مليارات من اليورو بعربات شحن كبيرة الحجم سواء إلى داخل المدن الإيطالية، أو جوا إلى دول أخرى، حتى يمكن أن تصل إلى العملاء في المصارف وغيرها من نقاط صرف العملة.
ويقوم جنود الشرطة بحراسة عربات الشحن ويركبون على متنها، كما ترافقها سيارات تحمل حراس أمن مسلحين، ولكن ماذا يكون عليه الحال إذا قابلت العربات إشارات المرور الحمراء، في هذه الحالة لا تتوقف العربات عن السير مثلما يحدث مع مواكب رؤساء الدول، وعادة ما تنتقل قوافل العربات الحاملة لأوراق النقد في أيام عطلات نهاية الأسبوع حينما يكون الازدحام المروري أقل.

أنيت رويثر
الجمعة 7 يونيو 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث