يوروفيجن: استراليا تشارك لأول مرة في المسابقة الغنائية الأوروبية



جنيف - ي الوقت الذي تشارك فيه استراليا للمرة الأولى في مسابقة الأغنية الأوروبية "يوروفيجن"، تتساءل الصحفية كلاريسا سيباغ-مونتيفيوري في السطور التالية عما إذا كان بوسع هذا البلد الفوز بالجائزة الكبرى للمسابقة.


في كل عام، يقطع ليام كلارك– هذا العاشق المتحمس للغاية لتلك المسابقة– رحلة جوية تتجاوز مدتها 20 ساعة، من استراليا إلى أوروبا، بهدف مشاهدة منافسات تلك المسابقة مباشرة، وهي المسابقة الأكثر إثارة لأصحاب الذوق الفني الشعبي.

وفي هذا الشهر، يحزم كلارك حقائبه كالمعتاد للتوجه إلى فيينا لحضور المرحلة النهائية للمسابقة في 23 مايو/أيار، لكن ثمة اختلافا، فهذ المرة الأولى في تاريخ المسابقة التي انطلقت قبل 60 عاما؛ التي يُسمح فيها لاستراليا بالمنافسة، وبات بوسع مواطنيها – مثل كلارك – الإدلاء بأصواتهم لاختيار الفائزين.

فبعد أكثر من ثلاثة عقود من بدء بث شبكة "إس بي إس" الإعلامية العامة في استراليا للمسابقة، مُنح هذا البلد حق خوض منافساتها لمرة واحدة فقط، رغم أن شروط المشاركة لا تنطبق عليه.

وبالرغم من وقوع استراليا على بعد نحو 15 ألف كيلومتر من أوروبا، سيتسنى لها التأهل بسرعة إلى النهائيات، حتى يؤدي من سيمثلها عروضه الغنائية أمام ما يُقدر بـ 195 مليون شخص يُتوقع أن يصطفوا أمام شاشات التليفزيون لمتابعة المنافسات.

بالعودة إلى الوراء قليلا، نجد أن ليام كلارك تعرف عن طريق الصدفة على مسابقة "يوروفيجن" عام 2003. فحينما كان لا يزال صبيا في إحدى البلدات الريفية، فتح أمامه في هذه القارة النائية عالما جديدا مفعما بالسحر والبريق ويتسم بالجاذبية، ولو كانت ظاهرية.

الآن أصبح كلارك (28 عاما) دارسا للصحافة ومدونا متيما بتلك المسابقة. ويقول بلهجة حماسية إنه "وقع في هواها". ويضيف: "إنها تختزل حبي للغة والموسيقى الشعبية (البوب) والجغرافيا"، كل ذلك في آن واحد.

ويتفق الاسكتلندي إيان شِدين، وهو مؤلف موسيقي يقيم في سيدني، مع كلارك، ويضيف: "نحن بعيدون للغاية. هناك إرث أوروبي قوي في استراليا، ولكنه ذو طابع غريب وأجنبي في الوقت ذاته. كل هذه الثقافات تتنافس مع بعضها البعض، إنه لأمر مذهل جدا".

ومنذ عام 1974 حينما شاركت المغنية الاسترالية– بريطانية المولد- أوليفيا نيوتون-جون في مسابقة "يوروفيجن" مُمثلةً لبريطانيا، بات لهذه المسابقة جاذبية لا يستهان بها في استراليا ونيوزيلندا.

لكن خلال العقد الماضي، قفزت شعبية "يوروفيجن" بشكل كبير، وذلك بفعل الدور الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي في زيادة عدد القادرين على متابعة منافسات تلك المسابقة.

بالإضافة إلى ذلك، وفي ظل التحسينات التي طرأت على السفر جوا، والتقنيات المتبعة في هذا المضمار، لم تعد أوروبا نائية للغاية بالنسبة لاستراليا كما كانت من قبل؛ سواء في العالم الواقعي أو في نظيره الافتراضي.

في العام الماضي، ضبط أكثر من عشرة في المئة من سكان استراليا – أي ما يوازي 3 ملايين نسمة – قنوات أجهزة التليفزيون لديهم لمشاهدة المغنية جيسيكا ماوبوي، التي تنحدر من سلالة السكان الأصليين للبلاد، وهي تؤدي فقرة غنائية كضيف خاص على حفل "يوروفيجن" الذي استضافته كوبنهاغن.

وباتت الحفلات الخاصة بهذه المسابقة حدثا مألوفا على قائمة الأحداث الاجتماعية لدى الاستراليين الذين يقبلون على مشاهدة تلك الفعاليات، مثل مشجعي كرة القدم الذين يحتشدون لمشاهدة فريقهم المفضل، إذ يتابعونها وهم يحتسون الجعة الكرواتية، ويتناولون النقانق النمساوية، وكذلك الصلصات اليونانية الباردة، التي يتم غمس الطعام فيها لإعطائه مذاقا أفضل.

كما أن "يوروفيجن" أصبحت حدثا مهما بالنسبة لموجات من المهاجرين الأوروبيين، ممن لا تشكل اللغة الانجليزية لغتهم الأصلية، والذين تدفقوا على استراليا بشكل جماعي منذ فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها.

ويشير جون هايك –وهو أستاذ بجامعة ملبورن يدرس مادة تتناول مسابقات "يوروفيجن"– إلى أن تلك المسابقة تشكل مصدرا للفخر والاعتزاز بالنسبة لوالدته المهاجرة القادمة من سلوفينيا، وترياق للحنين إلى بلد تعتبره "غير مرئي" في وسائل الإعلام الرئيسية في استراليا.

ويضيف هايك أن مسابقة الأغنية الأوروبية تشكل ساحة مهمة يمكن للمرء أن "يستمع فيها لأشخاص ذوي أسماء مختلفة، ولغات متباينة، وثقافات معقدة".

ولا يزال هذا التقليد قائما في الوقت الحاضر. ويمكن لنا أن نضرب مثالا بـ"جين لي"، وهي امرأة ألمانية-بريطانية تعيش في سيدني، وستُقام مراسم حصولها على الجنسية الاسترالية في أغسطس/آب المقبل.

وبالنسبة لجين لي، تشكل "يوروفيجن" سبيلا لإعادة الصلة بينها وبين ذكرياتها، وكذلك وسيلة لنيل قدر من المتعة، "ومناقشة الشؤون السياسية الأوروبية، ومشاهدة العروض المفعمة بالحماسة" كما تقول.

وترى "لي" أن فعاليات هذه المسابقة "توفر فرصة لإجراء نقاشات جادة في إطارٍ مرح وخالٍ من الهموم".

ولذا تمثل المسابقة أيضا فرصة للبحث عن الهوية، لكن يتعين بدايةً توضيح أن استراليا هي بالفعل لاعب فاعل على الساحة الدولية، بخلاف بلدان مثل إستونيا، التي استغلت مسابقة "يوروفيجن" في تسعينيات القرن الماضي كمنبر لتعزيز مساعيها من أجل الاستقلال.

رغم ذلك، لا تزال قضايا مثل موقع استراليا ثقافيا وجغرافيا من العالم، وما إذا كانت تنتمي إلى آسيا أو أوروبا، تشكل محورا رئيسيا للنقاش العام، في بلد تعاني بشدة من موقعها البعيد عن بقية العالم.

ومن هذا المنظور، اعتبر موقع "ذا كونفرسيشن" الإلكتروني الاسترالي، المعني بالشؤون الجارية في البلاد، أن مشاركة استراليا في مسابقة "يوروفيجن" تشكل دليلا على أنها تمكنت أخيرا من تقليص العزلة التي تعاني منها.

وفي فبراير/شباط الماضي، قال الموقع بلهجة حماسية إن هذه الخطوة مثلت "اعترافا بتزايد نضجنا وترابطنا الوطني. وهي تظهر أننا في سبيلنا للتخلي عن انطباع مفاده أنه ’يجري إخفاؤنا‘ في ركن قصي من الكرة الأرضية."

في المقابل، كانت هناك ردود فعل مناوئة لتلك الخطوة. لكن بول جوردان، الخبير في شؤون مسابقة "يوروفيجن" والمقيم في لندن، يشير في هذا الشأن إلى أن شبكة "إس بي إس" الاسترالية عضوة في اتحاد الإذاعات الأوروبية، وهو معيار رئيسي من المعايير اللازم توافرها للدول المشاركة في مسابقة الأغنية الأوروبية.

وبعيدا عن القواعد والقوانين المتبعة في هذا الشأن، يصر جوردان على أن "إدراج استراليا (في يوروفيجن) يتوافق تماما مع روح المسابقة؛ والتي تتعلق في الأساس بتحطيم الحدود والحواجز. هذا ما فعلته يوروفيجن؛ خاصة منذ انتهاء الحقبة الشيوعية".

وعادة ما تصوّت الدول المشاركة في المسابقة في صورة مجموعات وتكتلات. ومن بينها تكتلات تساند بعضها البعض، مثل تكتل "إمبراطورية الفايكنغ"، الذي يضم دولا مثل السويد والدنمارك والنرويج، ومجموعة "التكتل الشرقي" لدول شرق أوروبا، و"تكتل دول البلقان".

وبالنسبة لاستراليا، تلك الدولة الغريبة عن مجموعة البلدان التي تشارك بصفة دورية في المسابقة، فربما تحصل على دعم الدول الأخرى الناطقة باللغة الإنجليزية، لاسيما المملكة المتحدة وإيرلندا.

كما قدم رون كيتنغ، نجم موسيقى البوب الايرلندي، على حسابه على موقع تويتر تمنياته لـ"رفيقه القديم" غاي سباستيان بأن يحالفه التوفيق خلال تمثيله لاستراليا في المسابقة.

ولا يمكن هنا استبعاد فوز استراليا بالمسابقة. ويعتزم سباستيان، هذا المغني ذائع الصيت، أداء أغنية "تونايت آغاين" (الليلة من جديد) في المرحلة النهائية لـ(يوروفيجن).

ومن الأهمية الإشارة إلى أن سباستيان الماليزي المولد - الذي ينحدر من أصول متعددة؛ تاميلية سريلانكية وإنجليزية وبرتغالية - يمثل استراليا الحديثة متعددة الأعراق. ويعكس هذا الرجل سمات سكان استراليا ممن ولدوا فيما وراء البحار، (والذين ينحدر العديد منهم من بلدان مثل الصين والهند وفيتنام.)

ويرى هايك إن إشراك سباستيان يشكل مسعى لـ"الابتعاد" عن صورة استراليا النمطية الكلاسيكية كـ"دولة بروتستانتية؛ يتمتع مواطنوها ببشرة بيضاء، ومن أصول أنجلو ساكسونية، تلك الصورة التي كانت لنّا (كاستراليين) قبل أربعين عاما. هذه ليست بوضوح ذات الفكرة القديمة (التي كانت مأخوذة) عن استراليا".

ورغم ذلك، فإن هذا البلد لا يخشى من إظهار تلك الصور النمطية الخاصة به. ففي العام الماضي، أدت جيسكا ماوبوي – التي تنحدر من أجداد إندونيسيين وآخرين من السكان الأصليين لاستراليا – استعراضا لموسيقى البوب مع راقصين يرتدون أزياء شتى تعكس ذلك التنوع.

فقد تنوعت ما بين أزياء للاعبين في بطولة دوري كرة القدم الاسترالي، وأخرى لممارسي رياضة ركوب الأمواج، وكذلك لمهربي الببغاوات، وكان هناك أيضا راقصون يتنكرون في زي الدببة الاسترالية المعروفة باسم (الكوالا)، ولكن بأحجام عملاقة.

وفي مؤتمر صحفي، قال سباستيان ممازحا إنه سيظهر على المسرح مع حيوان كانغارو آلي.

وبالرغم من موقع استراليا القريب من قارة آسيا، وكذلك تزايد عدد سكانها من ذوي الأصول الآسيوية، وأيضا سعي حكومتها على أعلى المستويات للانخراط سياسيا في شؤون هذه القارة، فإن الثقافة الاسترالية تواصل - وبشكل عام ومعتاد - التطلع إلى دول أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية.

الدليل على ذلك يتمثل في الموسيقى نفسها: فبينما حققت مسابقة "يوروفيجن" النجاح، وحظيت بشعبية بين الاستراليين، لم تفلح الموسيقى الآسيوية الشعبية بعد في تحطيم أي حواجز تحول دون دخولها عالم الثقافة الرائجة التي تحظى بجماهيرية في المجتمع.

في يناير/كانون الثاني الماضي، تغلب الفريق الاسترالي لكرة القدم على نظيره الكوري الجنوبي ليعود إلى بلاده حاملا كأس بطولة آسيا في تلك اللعبة.

وهنا يقول ليام كلارك إن قدرة استراليا على أن تنافس في موسم واحد في كل من كأس الأمم الآسيوية ومسابقة الأغنية الأوروبية "يشي بالكثير بشأن حقيقة أعتقد أن الاستراليين لا يعرفونها والمتعلقة بموقع بلادهم في هذا العالم". ويضيف: "الأمر يبدو كما لو أن (استراليا) تضم أطرافا متباينة ومتناقضة تماما".

في كل الأحوال، عندما يتوجه كلارك إلى النمسا لتشجيع ممثل بلاده في "يوروفيجن"، فإنه يرغب في التعامل مع الأمر باعتباره استمتاعا بقدر من المرح.

ويقول كلارك إنه في نهاية المطاف يتعين علينا "نسيان كل المكائد والتصنيفات الثقافية، والأمور المتعلقة بالهوية، فالأمر لا يعدو كونه برنامجا تلفزيونيا".


بي بي سي
الثلاثاء 19 ماي 2015


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan