إذن، هناك ثلاثة كيانات سائدة وهي الثورة التي اختارت الدولة أن تكون عمقا لها أو تستمد شرعيتها الأولى منها، وهنا مكمن ذكاء الشرع حين دخوله دمشق وغاب عن خصومه حينها ولاحقا هذا الأمر. والسلطة، وهي في معظمها كيان مواز للثورة والدولة، وكانت ولا تزال تصطدم معهما، لكنها لا تستطيع التمايز عنهما لأسباب أيضا وجودية تتعلق بالمصالح بالدرجة الأولى، تخيل مثلا أبو عمشة يرفع علما غير علم الثورة ويعلن انفصاله عن الدولة؟ ( أبو عمشة فقط مثال أحبه لأنه نموذجي في فهم علاقته بالثورة والدولة والجولاني و…)وأيضا بداهة ليس من الواقعي أن تتبرأ الدولة من سلاح هذه السلطة وإن كانت ضمنا تعارضها والشواهد كثيرة. الثورة نفسها تصطدم مع الدولة في مواقف لا تُحصى لكنه لا يزال حتى اليوم ناعما.
الكيانات الثلاثة تملىء اليوم فراغا هائلا غير مسبوق في منطقتنا (ربما عرفته دول رئيسية هُزمت بعد الحرب العالمية الثانية وكان المخاض عسيرا)، الفراغ تملؤه وللمفارقة محل سلطة الشخص الواحد الذي جاء أصلا نتيجة انتزاع الحكم في ستينيات القرن الماضي عبر كيانات ثلاثة، ثورة ودولة وسلطة، واستغرق محوها 20 عاما .
الثورة لا تزال هي الخلفية للدولة والسلطة، وكلما ورطت السلطة الدولة استعانت الأخيرة لتعزيز استمرارها وشرعيتها بالثورة، والثورة تسكت لأن الدولة أولا لا تجاهر في الانفصال عنها ولا تزال تتبناها مستندة إلى مخزون القهر والحرمان الهائل للثورة وأهلها من وطنهم جغرافية ومعنى.
وعليه، مهما كان الموقف من الدولة أو السلطة لا أعتقد أنه من الحصافة استعداء الثورة نفسها، وأهلها، لأن هذا العداء تتغذى عليه الدولة والسلطة قبل أي أحد آخر.
الثورة هي الخزان البشري الهائل، الهائل فعلا، الذي جعل كل ما نراه اليوم ممكنا، للجميع، للجميع بدون استثناء، الوعاء الذي حوّل المستحيل ممكنا في سوريا، الجحافل التي قدمت الملايين على مذبح الحرية وأن تكون سوريا وطنا لكل السوريين، ولم تسمح للدعوات الطائفية والمذهبية وإن وَجدت لم تسمح لها أن تكون فاقعة فاضحة منحطة.
وفي ظل هذا الجنون لا زلت مؤمنا أن مرجعية الثورة الأولى تشكل لغة مشتركة للتفاهم، والتجسير، والبناء.
لا أنصح الدولة أو السلطة ولا أعداءها باستعداء الثورة، لأنها الأكثرية الوحيدة القادرة حقا على التغيير، التغيير الذي لولاها ما كانت هناك سلطة ولا دولة ولا دعوات للانفصال عنهما وعن الوطن سوريا.
ولا أنصح الثورة وللدقة أهلها التماهي مع الدولة والسلطة، حتى لو أرادت الدولة والسلطة ذلك، بل أن تكون كما كانت، الرهان الوحيد الذي نعول عليه للعبور إلى مستقبل حر كريم آمن.
--------
الشرق نيوز