الأنا والآخر في سياق التسامح الليبرالي



بداية، يجب التأكيد على أن تحديد من هو "الآخر" ينبع من قاعدة تحديد من هو "الأنــا"، الأنـا المتكلم، الأنـا الذي يطلق لفظ: الآخر. ثمة دوائر هُويّاتية للأنا؛ تنداح وفق شرط السياق/ الظرف الكلامي، وفي المقابل ثمة "ما وراء/ ما بعد" لهذه الدوائر، حيث الحدود التي تنداح اتساعا مشروطة بالسياق الأول الذي حكم دوائر الأنا. فإذا كان المتحدث/ الكاتب يتحدث عن "أناه" الخاصة المفردة، فالمقصود بالآخر كل أحد سواه من بني جنسه. وإذا كان يتحدث عن عائلته/ أسرته فالآخر هو كل من يقع خارجها ولو كان أقرب قريب.


  وإذا كان يتحدث عن بني دينه فالآخر كل من لا يدين بدينه. وإذا كان يتحدث عن وطنه فالآخر كل من لا يحمل جنسيته. وعلى هذا فليس هناك تحديد عام/ مطلق لضبط مَن هو الآخر عند إطلاق المصطلح، ما يعني أن "الآخر" لا يتحدد إلا في سياق الخطاب الخاص بالمتكلم.
الهوية بطبيعتها ليست شيئا ثابتا، بل هي وجود نامٍ/ متطور
إذن، وبما أن الأوساط الثقافية/ المجتمعية والسياسية التي تتحدث عن الآخر لها اهتماماتها الظرفية المتغيرة، كما وأنها تتموضع في سياق تاريخي وجغرافي متنوع/ مختلف، فالمقصود بـ"الآخر" متغير بتغير هذه الظروف، ومتحول بتحولاتها. ولا شك أن الموقف من "الآخر" من حيث هو "آخر"، يحكم علاقتنا بكل "آخر"؛ وفق نسبية التشارك الهُويّاتي. فمن يمتلك أفقا للتسامح مع الآخر القريب؛ سيملك ـ بنسبة ما ـ أفقا للتشارك الهُويّاتي مع الآخر البعيد.
وفي المقابل، من يمتلك نواة التعصب لـ"أناه" الصغرى، الأنا الفردية أو العائلية؛ فسيضمر لا محالة ـ وبنسبة مطردة مع هذا التعصب الأولي/ الفردي ـ تعصّبا/ تحيّزا مذهبيا أو مناطقيا أو وطنيا أو دينيا. فالانغلاق (الذي يَشْرِطُ الانفتاح ضرورة) من حيث هو بنية "نفسية ـ ثقافية" لا يمكن أن يقف عند حدود هذه الدائرة أو تلك، إذ هو حالة تحيّز تطبع السلوك حتما، في كل الاتجاهات وعلى كل المستويات الانتمائية، الحقيقية أو المتوهمة، الصريحة أو المضمرة، من حيث يشعر هذا المنغلق/ المتعصب/ المتحيز، أو من حيث لا يشعر، ففي النهاية هو "ذاتٌ" تحتاج أن تجعل من نفسها "موضوعا" لتستطيع معاينة تحيزاتها. وهذا ما لا يستطيعه إلا أقل القليل من المفكرين والباحثين، وبدرجة ليست كاملة على أي حال.
نحن (كعرب/ كمسلمين) واقعون في شِبَاك هذه الإشكالية المعقدة. لقد تعاملنا مع الآخر/ آخرنا (ما سوى العرب والمسلمين) بصور شتى، وبدرجات مختلفة من الرفض القبول على امتداد تاريخنا. والأهم والأخطر هو طريقتنا في التعامل مع الغرب في العصر الحديث، إذ هي الطريقة التي حددّت مصيرنا، أو أسهمت بشكل كبير في تحديده، وذلك في كثير من المنعطفات الحاسمة التي صنعت مستقبلنا/ حاضرنا الراهن.
لقد تعاملنا مع الغرب في البداية كمستعمر أو كغازٍ معتدٍ يجب التصدي له بالحديد والنار؛ لأنه جاءنا بالحديد والنار. ثم تعاملنا معه كمصدر وكنموذج مُلهم للتطور والتقدم، وحدث هذا حتى في فترات الصراع معه، إذ كان هو الحلم والأمل، وفي الوقت نفسه هو العدو صانع البؤس ومصدر اليأس. ثم عادته بعض الأطياف عداء صريحا، من توجهات قومية وجماعات أصولية متطرفة، حتى تحوّل العداء للغرب إلى أيديولوجية واسعة الانتشار، أيديولوجية تتشرعن بتعميده كـ"آخر"، كنقيض حتمي، كضرورة لتشريع حالة نفي متبادل تصنع لـ"الأنا" حقيقة حضورها، وبالتالي كـ"آخر" يجب أن يُكره ويُعادى؛ بوصف هذا الكره/ العداء شرطا أوليا لإثبات صدق الانتماء.
التيار الليبرالي في العالم العربي هو التيار الوحيد الذي ينادي بتقبّل الآخر عن إيمان حقيقي بالمبدأ
تطوّرت هذه التوجهات القومية والأصولية الدينية المتطرفة التي تتأسس على مبادئ انغلاقية متحيزة، وتغلّبت على التوجهات الليبرالية في كثير من فترات تشكلنا الحديث. وقد أوصلها تطورها، أو تطور بعض أطيافها الراديكالية، إلى الإسهام الحاسم في صناعة أقصى حالات الرفض: حالة الإرهاب، بينما اكتفت بعض الأطياف الأخرى بالمباركة والتأييد، أو بالصمت الناطق بالتأييد. وبما أن صوت الإرهاب يبقى دائما هو الأعلى والطاغي على ما سواه من الأصوات، فقد كان الإرهاب هو ما بدا للجميع أننا أصبحنا ـ كعرب وكمسلمين ـ نقدمه للعالم، على الرغم من محاولاتنا تقديم مشاريع حوارية/ تواصلية، إذ على الرغم من كل هذه المحاولات بقي الحوار ـ في حضور الصخب الإرهابي ـ خافتا ومتواريا.
والمقصود أن تفجيرا إرهابيا محدودا، يقوم به مسلم في إحدى العواصم الأوروبية يستطيع أن يغطي على أكبر مؤتمر عالمي للحوار، خاصة في فترات التهديد والخوف التي تطرح أسئلة الانتماء على طرفي الصراع، أو ـ بتعبير أدق ـ على الطرفين اللّذين وضعهما الإرهاب في سياق الصراع؛ فكانا منه أو فيه بحكم ما تقتضيه التمايزات المفترضة في دوائر الانتماء الكبرى.
هذا من ناحية العلاقة/ علاقتنا بالغرب كـ"آخر"، إذ بدا الأمر وكأننا نمنحه هذا الوصف في معظم الأحيان. غير أن القانون الثقافي ـ النفسي الذي حكم علاقتنا به هو ذاته القانون الذي يحكم علاقتنا بأنفسنا، أي بدوائر انتمائنا الصغرى. ففي داخل مجتمعنا/ المجتمع الواحد، نجد أن الآخر يتعرض للنفي من قبل التيارات الكُليانية الشمولية التي اعتادت الانفراد بالساحة؛ حتى أصبحت هذه التيارات ترى أن اقتطاع 1 في المئة مما كانت تستولي عليه من نفوذ مجتمعي اعتداء صارخا عليها من قبل الآخرين.
ربما كان التيار الليبرالي في العالم العربي هو التيار الوحيد الذي ينادي بتقبّل الآخر عن إيمان حقيقي بالمبدأ؛ بصرف النظر عن إشكاليات التطبيق. التيار الليبرالي لديه استعداد للتعايش مع الجميع؛ بما في ذلك التعايش مع التيار التقليدي/ الأصولي، شرط أن يتنازل هذا التيار الأصولي عن مناداته بقتل أو إرهاب المخالفين له.
لكن، ولأن التيار التقليدي/ الأصولي ينفي الآخر بالضرورة، ويرى هذا النفي محض عقيدة يتقرب إلى الله بتطبيقها، فلا حلّ لهذا الإشكال إلا بقانون صارم يضمن الحريات الأساسية بالقوة، قانون حريات مدني فوق الجميع، جميع الأطياف وجميع التيارات، وجميع المذاهب، ثم ليقل من شاء ما شاء.
إن المجتمع القادر على مواجهة التحديات ليس هو المجتمع المُصْمت، ليس هو المجتمع الأحادي، ليس هو المجتمع المختصر ـ صوتا وفعلا ونفوذا ـ في طرف واحد أو حزب واحد أو تيار واحد. فالتعددية تُثري، والجدليات المتضادة تخلق النوعي من حيث تدري ولا تدري. وعندما تتعدد الرؤى والتوجهات، وتدخل في حوار سلمي متبادل، فإن المتضرر الوحيد هو التوجه الانغلاقي، بما فيه التيار المتطرف/ الأصولي (الأصولي من أي نوع) الذي يؤمن بأنه الوحيد الذي يمتلك الحقيقة المطلقة، ومن ثم، يمتلك وحده حق الوجود في ساحة الفعل والتفاعل؛ لأنه لا يستطيع الحضور فاعلا ومؤثرا إلا بنفي الآخرين، كل الآخرين.
بقي الحوار ـ في حضور الصخب الإرهابي ـ خافتا ومتواريا
أخيرا، وفي هذا السياق الذي يدفع باتجاه انفتاح الأنا العربية/ الإسلامية على الآخر، ومن ورائها انفتاح كل الدوائر الانتمائية على كل ما وراءها من انتماءات، تُطرح مسألة الهوية، بوصفها المكون الأساسي والضروري الذي لا بد ـ وفق أطروحات الانغلاقيين ـ أن يتعرّض للخطر بفعل الانفتاح على الآخر.
لكن، ما الهوية، ما حقيقتها، وما هي محدداتها الموضوعية التي نخشى عليها؟ الهوية ـ في تصوري ـ شيء هلامي، وضعية نظرية اخترعها ويخترعها الإنسان لمحض إجراء عملي، خاصة وأن الهوية بطبيعتها ليست شيئا ثابتا، بل هي وجود نامٍ/ متطور؛ بفعل عدد لا يُحصى من المؤثرات. فلماذا لا يكون تعزيز الانفتاح البَيْني/ بين الهويات من جملة هذه المؤثرات التي تصنع مرونة الهوية القادرة على تقبل أكبر قدر من التنوع والاختلاف؟
---------
الحرة

محمد المحمود
الثلاثاء 14 ماي 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث