عيون المقالات

عن كذبة حب الثقافة

03/03/2021 - ياسر الأطرش

نساء في غرفة فرجينيا وولف!

03/03/2021 - طالب الرفاعي

شهادة ميلاد بوذا

02/03/2021 - د.نجم عبدالكريم

مرونة الدماغ وعاداتنا

02/03/2021 - د. محمّد النغيمش

محمد بن سلمان يخذل الشعب السعودي.. لقد حان أوان رحيله

01/03/2021 - سارة لي ويتسن وعبد الله العودة

اللاواقع السوري

26/02/2021 - فوّاز حدّاد

حل قريب في سورية؟

24/02/2021 - ميشيل كيلو

محمد الماغوط.. شاعر الفرادة

22/02/2021 - بشير البكر

في الأدب الإريتري المكتوب باللغة العربية

22/02/2021 - عبد العزيز بركة ساكن


المناورات الإسرائيلية في الجولان.. قلق أم تحضير لحرب؟






من المؤكد أن انتقال إسرائيل من استراتيجية ضرب فائض القوة الإيرانية في سوريا إلى استراتيجية منع التموضع الإيراني في سوريا، ناجم عن دراسة معمقة للقيادة الإسرائيلية وغرف عمليات جيش الدفاع والاستخبارات الإسرائيلية، التي انكبت في المرحلة الأخيرة من عام 2020 على مراجعة قراراتها (العسكرية والسياسية) السابقة وأدركت أنها وقعت بعدة أخطاء منها:



- كان غض الطرف عن دخول ميليشيات حزب الله والحرس الثوري الإيراني إلى سوريا لإخماد ثورة الشعب السوري وحماية نظام الأسد كهدف متوافق عليه بين طهران وتل أبيب، خطأً كبيراً بانت عوراته وبات يهدد الأمن القومي الإسرائيلي.

- كان الوثوق بالروس خطأً كبيراً أيضاً، عندما نسقت تل أبيب مع موسكو عملية دخولها القوات الروسية الجوية بالملف السوري لإنقاذ الأسد الذي شارف على السقوط (كما قال الرئيس بوتين ووزير خارجيته لافروف) مقابل تعهد روسي بتحجيم الدور الإيراني المستشري في سوريا.

- كان خطأً كبيرا الإدلاء بتصريحات لكبار القادة العسكريين تحدثوا فيها عن ابتعاد ميليشيات إيران عن الجنوب السوري كنوع من التطمينات للداخل الإسرائيلي، وخدمة لأهداف سياسية قد يحتاجها رئيس الوزراء "نتنياهو" في صراعه للبقاء بمنصبه، لكن تلك التصريحات لم تكن تعكس واقع الانتشار الإيراني المتزايد بالجنوب السوري، وأظهرهم بمظهر المتردد والمتناقض.

- كان خطأً كبيراً رهان إسرائيل على بقاء ديكتاتور (بشار الأسد)، صحيح أنه مع أبيه كان حارساً أميناً لحدودها في الجولان على مدار عدة عقود، لكن كان عليها أن تعلم أن الشعب السوري هو المصدر الحقيقي لأي سلام عادل وشامل.

وهناك مزيد من الملاحظات من المؤكد أن مصادر صنع القرار العسكري ومراكز البحوث العسكرية والاستخباراتية وقوى الاستطلاع المتعددة قد توصلت إليها، وظهر ذلك جلياً بتغيير أساليب واستراتيجيات التعاطي مع الوجود الإيراني في سوريا. 
 

قصف فائض القوة الإيرانية في سوريا التي اعتمدتها القيادة الإسرائيلية، يعني تدمير المواقع العسكرية ومراكز التصنيع والمستودعات التي يمكن أن توجد فيها أسلحة ومعدات يمكن أن تغير في موازين القوى العسكرية في المنطقة، من خلال تدمير الصواريخ الإيرانية المتطورة التي تحمل الرؤوس الذكية، والقادرة على إصابة أهدافها بدقة معقولة، إضافة لتدمير شحنات إيران من الطيران المسير القادر على اختراق الأجواء الإسرائيلية دون تحمل عبء خسائر بشرية لإيران أو حلفائها، والتسبب بإحداث إرباك في الداخل الإسرائيلي حتى لو لم تحدث أضرار أو إصابات أو تدمير.

وإسرائيل تدرك تماماً أن ضرباتها الجوية التي قتلت فيها سمير قنطار وجهاد عماد مغنية والعميد الإيراني محمد علي داي (المعنيين بتشكيل وإنشاء حزب الله السوري) بعمليتين منفصلتين عام 2015، كان المقصود منها إيصال رسالة لـ إيران أنه لا جبهة اشتباك ثانية في سوريا على غرار جنوب لبنان، ولا مكان لـ حزب الله سوري أيضاً، لأن قادة إسرائيل يعلمون تماماً أن 70 ألف صاروخ المتوقع وجودها لدى ميليشيات حزب الله في الجنوب والبقاع اللبناني (3 آلاف صاروخ منها يحمل رؤوساً ذكية)، سيكون لها تأثير على المدن والمواقع الإسرائيلية، وعلى جبهة مع لبنان تصل لحوالي 80كم، لكن العمق الدفاعي من الشمال الفلسطيني للجنوب (حوالي 300كم) قد يكون قادراً على التعامل وتحمل نتائج ضربات صواريخ حزب الله الإيرانية وتخفيف مضارها، إن كان عبر منظومة الدفاع الجوي لـ القبة الحديدية، أو عبر قصف مستودعات ومنصات صواريخ حزب الله قبل استخدامها، وإيلام حاضنة حزب الله بقصف جوي إسرائيلي مركّز يطال الجنوب اللبناني وصولاً للضاحية الجنوبية رداً على أي قصف يطال المدن الإسرائيلية، لكن إسرائيل القادرة على التعامل مع جبهة تمتد من رأس الناقورة على المتوسط حتى الحدود السورية اللبنانية في مزارع شبعا، لن يكون في مقدورها أو من السهل عليها التعامل مع جبهة أخرى تمتد من الناقورة إلى الحدود الأردنية مروراً بالجولان وبجبهة تمتد حتى 160كم، خصوصاً مع وجود نقطة ضعف قاتلة للإسرائيليين عندما يتم التعامل من الشرق للغرب بعمق دفاعي إسرائيلي ضيّق يتراوح بين 70_100كم (من جبهة الجولان وحتى  ساحل المتوسط على الحدود الفلسطينية)، يمكن أن تغطيه وتمطره إيران بوابل من الصواريخ متوسطة المدى القادرة على التموضع على مسافات قريبة من خط فك الاشتباك على الجبهة السورية.

إسرائيل اليوم تدرك أنها أخطأت بحق ثورة الشعب السوري أربع مرات.
الأولى عندما دعمت نظام الأسد على حساب الشعب الثائر.
والثانية عندما سمحت لحزب الله وإيران بالتوغل في سوريا وقتل الشعب السوري حماية للأسد.
والثالثة عندما نسّقت التدخل الروسي أيضاً لصالح بقاء الأسد.
والرابعة عندما تناغمت مع طلبات روسيا ونظام الأسد بالضغط على الولايات المتحدة الأمريكية والأردن للضغط على فصائل الثورة في الجنوب تسهيلاً لعودة ميليشيات الأسد إلى الجنوب السوري، وسحبه من سيطرة فصائل الثورة السورية تحت مغريات وتعهدات قدمها الروس لتل أبيب تتمثل بالحفاظ على حدودها آمنة بالجولان، وتعهد آخر بإبعاد إيران لمسافات تتراوح بين 60_80 كم عن الجولان المحتل، لكن المتابعة الإسرائيلية وتقارير محطات الرصد والمراقبة، أثبتت أن مقرات وتجمعات حزب الله والحرس الثوري الإيراني لم تبتعد أكثر من عدة كيلومترات عن خطوط التماس في الجولان، وفي بعض المواقع الأخرى لم تبتعد أكثر من عدة مئات من الأمتار عن خط الهدنة الموقع عام 1974، وبالتالي لم يكن الروس فقط من خذل إسرائيل بتعهدات لا قدرة لهم على الإيفاء بها، بل أيضاً الثقة المفرطة التي تمتع بها قادة إسرائيل هي من خذلتهم.

 
 
محطات الرصد وشبكة العملاء التي تمتلكها الاستخبارات الإسرائيلية في الجنوب السوري من المؤكد أنها نقلت لمشغليها أن الفرقة الرابعة التي يقودها اللواء ماهر الأسد أصبحت تتبع عملياً للحرس الثوري الإيراني أكثر مما تتبع لجيش الأسد، وأن ميليشيات إيران توجد بالجنوب بكثافة عبر ارتدائها الزي العسكري الرسمي للفرقة الرابعة، وأن أرتال جيش الأسد العسكرية التي تنتقل نحو الجنوب عادة ما يكون نصفها على الأقل من ميليشيات إيران، بعد أن أصبحت ميليشيات إيران في سوريا تفوق عدداً وعدة تعداد وإمكانيات جيش الأسد، وأن ما قاله قاسم سليماني هو حقيقة، من أنه فرض على القيادة السورية حق إيران بالتموضع في كل القطعات العسكرية التابعة للجيش السوري سواءً كانت قواعد جوية أو مقار لفرق عسكرية أو حتى لمحطات رصد ومراقبة وتنصت، والأهم من كل ذلك من المؤكد أن عدسات كاميرات الأقمار الصناعية الإسرائيلية ووسائط استطلاعها الجوي قد لاحظت أن إيران في المرحلة الأخيرة لم تعد تنقل الصواريخ والطيران المسير من إيران إلى سوريا، بل قامت بنقل معدات إنتاجها إلى سوريا، بعد أن سيطر الحرس الثوري الإيراني على معظم مراكز الأبحاث العسكرية ومراكز التصنيع التي كانت تتبع لوزارة الدفاع السورية.

وإسرائيل ومراكز رصدها يدركون تماماً أن ما يتم تدميره من أعتدة ذكية لإيران في سوريا لا يعادل أكثر من عُشر الموجود فعليا على الأراضي السورية، التي أصبحت تتحكم فيها إيران بمطلق الحرية، وبالتالي تلك الضربات الجوية والصاروخية الإسرائيلية لن تشكل عامل ضاغط على إيران يدفعها للانسحاب من سوريا كما تريد واشنطن وتل أبيب، ولا حتى لتحجيم وجودها، وأن أكثر ما يمكن أن تقوم به إيران في سوريا هو عملية تجميع وإعادة انتشار لقواتها، إضافة لزيادة أعمال التحصين والتمويه والتجهيز الهندسي وبما يزيد من خطر تأثيرها وتشكيلها لحالة إرباك إسرائيلية لا تتوقف.

المناورات التي أعلنت عنها إسرائيل يوم الأحد الفائت (مناورات وردة الجليل) وبتقديم الموعد لأسبوع عن الموعد المحدد، تعكس خطر وتطورات عسكرية مستجدة وصلت لـ غرف عمليات الجيش الإسرائيلي مما استدعى هذا الاستعجال، والمناورات العسكرية القادمة والمخططة لها ما بين شهر نيسان وأيار القادمين من هذا العام والتي تحمل اسم (مناورات الحرب الشاملة) والتي يشترك فيها قادة كل أنواع القوات الإسرائيلية وتحاكي حرب شاملة تٌشن على إسرائيل من عدة جبهات بوقت واحد (جنوب لبنان، الجولان السوري، غزة)، أيضاً تعكس مخاوف إسرائيلية، فعندما تعتبر حركة "حماس" أن "قاسم سليماني" هو "شهيد القدس"، وترفع له الصور في شوارع غزة، هذا يعني أنها أصبحت كلياً تحت العباءة الإيرانية، كـ حزب الله الذي أعلن مراراً وتكراراً أن أي حرب قادمة بين إسرائيل وإيران سيكون فيها الحزب شريكاً أساسياً لامحالة، أما عن فتح جبهة الجولان من قبل إيران وحزب الله وموقف الأسد، فمن الطبيعي أن الأسد لا يرغب شخصياً بالإنجرار إلى مواجهة مع من رسّخ له ولوالده من قبله الحكم في سوريا، لكن بالتأكيد لا يملك بشار الأسد القرار العسكري، ولا القرار السياسي أيضاً، بعد أن انصرف لهمه الأوحد المتعلق بكيفية المحافظة على كرسي السلطة، تاركاً التصرف بتلك القرارات لموسكو وطهران.

إسرائيل تقول إنها تعتمد في حروبها على الحكمة التي تقول: (لا تدخل حرباً ما لم توضع السكين على رقبتك)، لكن اليوم سكين حزب الله وإيران أصبحت تقطع برقبة إسرائيل، وإسرائيل أيضاً تعلم تماماً أن هدف إيران من كل تلك الضغوط ليس تحقيق هدف إزالتها من الوجود كما يردد أبواقها، بل الهدف الإيراني هو أن تكون شريكاً للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في تقاسم النفوذ في المنطقة.

فهل تستمر إسرائيل بسياسة الضربات الجوية التي تحجم مرحلياً قدرات إيران في سوريا بانتظار انتهاء فترة الـ100 يوم الأولى من إدارة الرئيس الأمريكي "بايدن"، ومعرفة توجهاته الحقيقية حيال إيران والملف السوري، أم تنفرد إسرائيل بمواجهة حقيقية وبضربات نوعية متلاحقة تقتلع فيها الوجود الإيراني من سوريا، وتحجم فيها قدرات حزب الله وتقلع الضرس المؤلم وتنتهي من التعاطي مع سياسة المسكنات؟
-----------
اورينت نت

 

العميد الركن أحمد رحال
الخميس 18 فبراير 2021