تدهور وضع النظام السوري يثير التكهنات بشأن مصير الأسد





تشهد سائر المحافظات السورية حالة استياء شعبي غير مسبوق بسبب تدهور مستوى المعيشة، وتبدو مظاهر الاحتقان بصورة واضحة في دمشق، حيث يوقع انقطاع الوقود والغاز والكهرباء العاصمة وغيرها من المناطق في حالة ظلام دامس، وتزداد صعوبة الحياة يوماً بعد يوم جراء انخفاض قيمة الليرة السورية وارتفاع الأسعار، في حين تتحدث التقديرات الاقتصادية عن مستقبل قاتم للاقتصاد السوري في ظل بقاء بشار الأسد.


  وتتفشى في محافظات: اللاذقية وحلب والسويداء ودرعا بصورة خاصة مظاهر الفقر المدقع والاحتقان الشعبي جراء تفشي الفساد وتدهور الأوضاع الأمنية وارتفاع معدلات البطالة، واضطرار الناس للوقوف على طوابير طويلة للحصول على المواد الأساسية، ولجوء بعضهم إلى دفع الرشاوى والإتاوات لعناصر الميلشيات الموالية.
 
وأدى تخبط بشار الأسد، ورفضه لمشروع “الحضن العربي”، ولجوئه لإيران إلى المزيد من التدهور الاقتصادي حيث انهارت طموحات إعادة تأهيل النظام ورفع العقوبات الدولية عليه ودخول رأس المال الخليجي المرتقب، في حين تضاعفت العقوبات الأمريكية، حيث يرى خبراء اقتصاديون غربيون أن العقوبات الجديدة التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية في شهر نوفمبر الماضي هي التي أدت إلى النقص الحاد في منتجات الطاقة خلال الأشهر الأخيرة.
ويبدو أن روسيا قد نجحت في فرض رؤيتها “الميدانية” عبر العمليات العسكرية والقصف الجوي والاستهداف الممنهج للمناطق الآهلة بالسكان، إلا أن تلك الرؤية بدت “قاصرة سياسياً” في ظل استحواذ الولايات المتحدة على عناصر التأزيم وإغلاق سائر المنافذ لإنقاذ حكم بشار الأسد المتهاوي، الأمر الذي دفع بوتين للتخلي عن مسار أستانة ومطالبة تل أبيب بالتوسط لدى واشنطن لدفع العملية السياسية وضخ السيولة في خزانة النظام المفلس.
وفي ظل تخبط الأسد، وهيمنة القوات الروسية والإيرانية على جيش النظام، وتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية، وتذمر الحاضنة العلوية، وتفشي مظاهر الفساد لا تُبدي أي من القوى الخارجية رغبتها في تبديد أموالها في قضية خاسرة، حيث تساءلت صحيفة “لوموند” الفرنسية في افتتاحيتها: “كيف يمكن أن نتصور إعادة الإعمار في ظل هذه الظروف؟”. ورأت مجلة “ذي أتلانتيك” أن: “أنصار بشار الأسد في موسكو لا يستطيعون دفع تكاليف إعادة الإعمار، وخصومه في الغرب قادرون، ولكن لا يرغبون في ذلك”، خاصة وأن الاقتصاد الروسي والإيراني في حالة يرثى لها، في حين تصر الدول الغربية على أنه: “لن يكون هناك إعادة بناء من دون انتقال سياسي”.
 
ويشكل بقاء بشار الأسد العقبة الرئيسة أمام إعادة تأهيل سوريا، إذ إنه يُمعن في انتهاك الحقوق الأساسية للشعب السوري، ويتحدى إرادة المجتمع الدولي، ويتخبط في سياسات هوجاء تمنع عودة اللاجئين، وتدفع حاضنته العلوية للتذمر نتيجة ضيقها ذرعاً بالوضع الكارثي، وعدم تجرعها من “انتصار بشار الأسد” المزعوم إلا المرارة وضنك العيش.
ويأتي نفي موسكو حديثها عن تغيير الأسد، كمؤشر على تنامي التكهنات بشأن مصير بشار، حيث يتردد الحديث في الأروقة الاستخباراتية والدبلوماسية الغربية والإقليمية عن بحث البدائل لبشار الذي لم يثبت أية قدرات قيادية في حقبة الحرب والمرحلة اللاحقة لها.
وعلى الرغم من نفي صحة الأنباء بشأن تفاوض موسكو بشأن مصير الأسد، وحديث قادة الموساد مع نظرائهم الغربيين حول القضية نفسها، وعقد شخصيات علوية اجتماعات موسعة ومكثفة لوضع تصور للبلاد دون حكم بشار الأسد في اللاذقية وطرطوس ومصياف تحت إشراف روسي، إلا أن تل أبيب تدأب على تسريب معلومات حول توجه موسكو للحط من قيمة الأسد والسعي للتوصل إلى صفقة تتخلى بها عنه مقابل إنقاذ البلاد من الأزمة الاقتصادية الخانقة والتخلص من الغريم الإيراني في المرحلة المقبلة.
وسواء أقرت موسكو وطهران وتل أبيب بصحة ما يرد من أنباء حول مناقشة بدائل لبشار الأسد في المرحلة المقبلة أم لم تقر؛ إلا أن الحقيقة تبقى ماثلة، وهي أن بشار الأسد لم يثبت أية قدرات قيادية، ولا يبدو قادراً على مكافحة الفساد المستشري في دائرته المغلقة، حيث يسارع المقربون منه للاستحواذ على سائر المشاريع التجارية والعقارية في دمشق واللاذقية وغيرها من المحافظات، وذلك في ظل تفشي المحسوبية على مستوى البلديات والمحافظات والمجالس المحلية وأجهزة الرقابة والمؤسسات الأمنية والعسكرية والميلشيات الطائفية التي تعيث الفساد في مختلف المدن.
 
في هذه الأثناء؛ أكد وزير النفط في حكومة النظام علي غانم (10 أبريل) أن الخسائر المالية لقطاع النفط تجاوزت 74 مليار دولار أي ما يزيد عن 23 ترليون ليرة سورية، مشيراً إلى أن حاجة البلاد يومياً تقدر بنحو 100 إلى 136 ألف برميل ما يجبر الحكومة للاستيراد لتلبية حاجة السوق المحلية بتكلفة تقدر بنحو 9 مليون دولار يومياً.
وتلقي أزمة المحروقات بظلالها القاتمة على الموسم الزراعي، حيث يعتمد القطاع الزراعي بشكل أساسي على المحروقات، ويحتاج المزارع للمازوت لتشغيل آليات الزراعة ومضخات الآبار والجرارات، إلى جانب سيارات النقل وآليات الحصاد وغيرها، إلا أن تلك المادة لم تعد متوافرة وسط اختناقات وطوابير طويلة للحصول عليها.
وكانت الجمعيات الفلاحية في السابق تقدم مخصصات شهرية تقدر بنحو 50 ليتر مازوت شهرياً للآليات الزراعية، لكنها اليوم انخفضت بشكل ملحوظ، ليتجه المزارعون لشرائها بأسعار جنونية من السوق السوداء لتعويض النقص، الأمر الذي دفع ببعض الفلاحين إلى بيع أراضيهم لبارونات الفساد المقربين من بشار الأسد، ويتوقع المزارعون خسائر فادحة في المحصول الزراعي بمحافظات ريف دمشق ودرعا وحمص، الأمر الذي سينعكس على ارتفاع أسعار الخضراوات والمنتوجات الزراعية.
ووفقاً للتقرير العالمي الثالث لأزمة الغذاء الذي أصدرته منظمة الغذاء والزراعة (FAO)، في 2 أبريل 2019؛ فإن الحرب التي شهدتها سوريا، بالإضافة إلى أسوأ جفاف شهدته البلاد منذ 30 عاماً، وهطول أمطار شديدة بغير موسمها، مسببة الانخفاض الشديد في إنتاج القمح، ستعود بنتائج كارثية تتمثل في نقص الأمن الغذائي الذي تزيد العقوبات الاقتصادية من وطأته، حيث ترتفع معدلات البطالة إلى 55%، ويعاني نحو 6.5 مليون شخص، من 18.3 مليون موجودون في سوريا من فقدان الأمن الغذائي وبحاجة لمساعدات عاجلة، 2.5 مليون منهم عرضة للوقوع ضحية غياب الأمن الغذائي.
ويعاني 91 ألف طفل تحت سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، 19 ألفاً منهم يعانون منها بشكل بالغ، و32% من الأطفال الذين أعمارهم ما بين 6-23 شهراً يتلقون الحد الأدنى من الطعام للنمو (في محافظات حلب وإدلب وحماة).
في حين يعاني 6.2 مليون نازح داخلياً، من نقص الأمن الغذائي، ويُعد القاطنون في المخيمات السورية، والبالغ عددهم 478 ألفاً، من بين الأشد حاجة للمساعدات الغذائية، إضافة إلى حاجة 1.2 مليون من اللاجئين السوريين في الدول المجاورة، ومعهم 438 ألف لاجئ فلسطيني داخل سوريا إلى المساعدات الغذائية.
ورصد التقرير انخفاض القوة الشرائية لدى السوريين إلى عُشر ما كانت عليه قبل الأزمة، مع وجود 83% من السوريين ضمن خط الفقر.
المرصد الاستراتيجي

المرصد الاستراتيجي
الاحد 26 ماي 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث