صناعة السينما تشهد انطلاقة كبرى في رواندا



كيجالي – في بلد مثل رواندا، مازالت ظلال الحروب الأهلية والمذابح المروعة على أساس عرقي بين الهوتو والتوتسي، تخيم على حاضره ومستقبله، بدأ يظهر جيل من الشباب المبدعين ليحكي روايته الخاصة عن تلك الأحداث، تحت رعاية وتوجيه المخرج الألماني فولكر شلويندورف، الحائز على الأوسكار عام 1979 عن فيلمه "الطبلة الصفيح"، المأخوذ عن رواية أديب نوبل الألماني جونتر جراس. ويتعاون المخرج الألماني مع معهد كويتو السينمائي من خلال محاضرات تثقيفية وورش عمل متخصصة.


يقع مبنى المعهد بلونه البرتقالي الصارخ بحي نايروتاراما، وبداخل أسواره يقسم الدارسون إلى مجموعات، يقوم بعضهم بإعداد مقابلة، بينما البعض الآخر بعمل مونتاج لمادة فيلمية انتهوا توا من تسجيلها في معمل المونتاج واستوديو الصوت. يشرف أيضا على الانتاج فريق من المتخصصين الأوروبيين، حيث يعمل الطلاب على مشروع مسلسل قصير من أربع حلقات يدور موضوعه حول استغلال العمال. لا تتجاوز مدة الحلقة في المسلسل ثمان دقائق، وعنوانه "كاراني نوجوفو، وتعني بلغة السكان الأصليين (الكينية الرواندية)، "المثقلون بالأحمال"، ويناقش مصير مجموعة من النساء الشابات، تعمل بعضهن بائعات أو محصلات في السوبرماركت. وبالرغم من أن رواندا محكومة بيد من حديد تحت قيادة الرئيس الحالي بول كاجامي، إلا أنها تعتبر بلد ينعم بالاستقرار السياسي. ولكن بالرغم من معدلات التنمية التي تحققت، مازال الفقر وحقوق الانسان من القضايا الملحة في البلاد، حيث تشير بيانات البنك الدولي أن أكثر من ثلث سكان البلاد البالغ تعدادهم 12 مليونا، يعيشون بأقل من يورو في اليوم. يذكر أن البروفيسر كلاوس كيل ظل لسنوات طويلة يحاضر في ميونيخ عن صناعة السينما وانتج العديد من الأفلام الألمانية، وقد سافر إلى كيجالي ممثلا عن شلويندورف لمساعدة الدارسين بالمعهد الرواندي، ويحاضر كيل في معهد كويتو عن السينما وفنونها وصناعتها منذ خمس سنوات، حيث يؤكد "خلال السنوات القليلة التي قمت بالتدريس فيها هنا كان هناك تطور كبير في الصناعة، بل حدثت طفرة في الوعي والشعور بالمسؤولية من جانب الدارسين". يصف شلويندروف /79 عاما/ المسلسل القصير بأنه "واقعي، وأنه كتب بجدارة"، مشيدا بأنه يتناول بجرأة موضوع حساس، مشيرا إلى أن اهتمامه منصب على كيفية تطوير الطلاب أسلوبهم الخاص في تناول الحكايات وروايتها من منظور مختلف، بدلا من محاكاة هوليوود. لم يتحدد بعد تاريخ عرض المسلسل، ولكن من المقرر أن يبث في البداية عبر قنوات يوتيوب مطلع 2019. ويضيف مخرج "مصرع مسافر" عام 1985 "نأمل أنه على المدى البعيد أن يحظى المسلسل باهتمام التليفزيون المحلي في رواند والبلاد المجاورة ". وكان شلويندروف قد اكتشف المعهد الرواندي بالصدفة خلال رحلة قام بها إلى قارة أفريقيا عام 2008، برفقة الرئيس الألماني السابق هورست كوهلر، وفي كيجالي التقى بالمخرج والمنتج الرواندي إريك كابيرا، الذي أسس المعهد عام 2001، بعد أن حقق شهرة عالمية بأفلامه عن مذابح رواندا عام 1994، ومن بينها "100 يوم" وتدور أحداثه خلال المئة يوم التي وقعت فيها المذابح الشهيرة وراح ضحيتها أكثر من 800 ألف شخص من عرقيتي الهوتو والتوتسي، وقد ترشح الفيلم لنيل الأوسكار، في فئة أفضل فيلم غير ناطق بالإنجليزية. قدم بعد ذلك الفيلم الشهير "فندق رواندا" عام 2004، الذي أدان خلاله موقف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي من المذابح. يوضح كابيرا أن معظم هذه الأفلام كانت من انتاج أجنبي، وكان هذا تحديدا ما سعى لتغييره، ولهذا أنشأ مدرسة للسينما في بلد لم تكن فيه دار سينما واحدة. يعلق شلويندروف "انبهرت بشجاعة وحماس إنسان يريد أن يخوض تجربة كهذه"، مشيدا بالإنجاز الذي حققه المعهد في تأهيل عشرات الطلاب منذ إنشائه. نجح شلويندروف في جذب اهتمام معهد بابلزبرج السينمائي لكي يتعاون مع معهد كويتو وكذلك وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية، لتمويل دورات عن الانتاج والتصوير والصوت والمونتاج والإخراج، فضلا عن عقد دورات تثقيفية وتأهيلية متخصصة للطلبة المتفوقين، وتمويل فصول دراسية لمدة عامين في التصميم الجرافيك. ويعتزم شلويندروف السفر إلى كيجالي مرة أخرى في كانون ثان/ يناير المقبل، من أجل تطوير برنامج التدريس بالمعهد والذي كان حتى ذلك الوقت يعتمد على الورش التعليمية ليصبح منهجا لدراسة منتظمة بدوام محدد. يوضح شلويندروف أنه من المقرر تصميم الفصول الدراسية بصورة فنية تتيح للدارسين تعلم كل التفاصيل من خلال التطبيق العملي والممارسة، حيث يرى أنه بجانب التطبيق النظري والعملي، يتعين على الطلاب من شباب المخرجين "التخلص من كل الضغائن التي تضطرم في صدورهم كنيران مشتعلة". يؤكد جاكومبي /38 عاما/، وهو أحد تلاميذ المخرج الألماني أن شلويندروف علمه كيف يروي الحكايات بأسلوب أصيل "أوضح لنا أن الأمر لا يتوقف على الحصول على أفضل المعدات الفنية، بل بفكرتنا الخاصة عن الإبداع". ولهذا أدرك أنه من الممكن انتاج عمل رائع بالرغم من ضعف الميزانية المتاحة. كما تعلم منه السعي نحو الكمال وعدم التسامح أو تقبل أقل هفوة في موقع التصوير والتفكير في أدق التفاصيل. ولهذا فإن جاكومبي على قناعة بأن الرؤية التي تعلمها من المخرج الألماني غيرت توجه مشوار عمله وأسلوب حياته. يتذكر كابيرا بدقة أول لقاء جمعه بالمخرج الألماني "لقد رفع من معنوياتي وأصبح مرشدي الروحي، المدافع عني ومعلمي"، مؤكدا أن حلم حياته الآن هو فتح المزيد من مدارس السينما في أفريقيا.

كريستين باليتسا
الاربعاء 26 ديسمبر 2018