قاموس البذاءات ..معجم للكلمات النابية في الأدب الإسباني



مدريد - إيلينا بوكس - من الفروق الثقافية بين العربية والإسبانية حين يصفون شخصا بأنه سليط اللسان يقولون: فلان هذا له لسان أفعى بينما نقول في العربية لسانه مثل العقربة. من تداعيات المصطلح ربما تجد ما ستقرأه في هذا التقرير مألوفا لديك، وإن لم يكن فربما تجد الكلمة المناسبة التي تمكنك من الدفاع عن نفسك حيال أية إساءة في كتاب صدر حديثا بعنوان "هذه تكون والدتك" والذي يحوي ترسانة من الأفكار الخاصة بهذا المضمار ويعتبره البعض "قاموس البذاءات" الإسبانية.


 
في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية ( د. ب. أ ) تقول الصحفية وسيدة الأعمال الإسبانية المدريدية ماريا اراثوستا "السباب جزء من ثقافة كونية لا تقتصر على شعب بعينه، ولهذا لا يهم الثقافة التي تنحدر منها، نحن جميعا نمارس السباب في كثير من المواقف التي نواجهها كما تعرضنا للسباب من آخرين في وقت من الأوقات، ولهذا يجب أن نتزود بالذخيرة الوقائية الكافية استعدادا لمثل هذه المواقف". ومن ثم توضح أن الكتاب يتناول "تموينا كاف تحسبا للتعرض للإهانة".

يضم كتاب "هذه تكون والدتك" الصادر عن دار نشر (اسباسا) أكثر من 2000 تعبير سباب، مقسمة إلى عبارات للسخرية وأخرى للإهانة، بالإضافة إلى تعبيرات ورموز وإشارات تندرج تحت ما يعرف بعلوم ما وراء اللغة والتي تستخدم أيضا لنفس الغرض، كما يورد الكتاب إشارة توثق لكبار الكتاب الذين جعلوا من هذا الفرع من لغة التواصل في المجتمع فنا قائما بذاته. تقول الكاتبة "إنه باختصار يعد بمثابة الأداة التي تمكنك من افتراس خصمك".

وعلى غرار كتاب "101 حماقة بالإسبانية"، تتوغل إراثوستا بصورة دقيقة وشاملة في عالم النوادر والطرائف في هذا الركن البذيء من علم المعاني. ومن ثم تستهل الكتاب باستدلال اشتقاقي يوضح أنه في القرن الخامس عشر كان مصطلح سباب ينتمي إلى سياق دلالي أرقى ويعني "اندفاع أو هجوم فجائي وعنيف". وظلت الكلمة تحمل هذا المعنى حتى القرن التاسع عشر قبل أن يعمم استخدامها كمرادف لتعبير بذئ أو سباب.

وتتسم اللغة الإسبانية بالثراء اللغوي والتنوع التعبيري فيما يختص بالحقل الدلالي الخاص بالشتائم والسخرية والبذاءات، لدرجة أن كلمات تنتمي لمستوى بالغ الثقافة والتأدب يمكن استخدامها في سياق التعبير عن السباب، منها على سبيل المثال الحقل الدلالي الخاص بمفردات الحيوانات بدءا من الفقمات أو عجول البحر وصولا لسمك البساريا وهي كلمة تستخدم كمرادف لكلمة أحمق أو أرعن، مرورا بحيوانات أخرى شائع استخدام متلازماتها في السباب مثل الخنزير والفئران والذباب والبعوض وحتى الكلاب.

هناك شتائم تندرج تحت إطار الخطاب الرسمي مثل "مهرج"، "دجال" أو "مشعوذ" أو "مجنون" و"مخادع". وهناك ألفاظ مستوحاة من النص المقدس "الانجيل أو التوراة" مثل "أكثر خداعا من يهوذا" ويقابلها بالعربية "أكذب من مسيلمة" في إشارة إلى مسيلمة الكذاب، والذي يقابل في الثقافة المسيحية يهوذا الذي خان المسيح. ويقال أيضا "أكثر بكاء من مريم المجدلية "تبقى حتى تكسو القديسين" وهو المعنى الحرفي ويطلق المثل على الفتاة التي يفوتها قطار الزواج "إشارة على العنوسة". وتستوحى الشتائم الكثير من تعبيراتها من عالم السياسة: "تفوح منه رائحة الكبريت"، وهي عبارة أطلقها هوجو شافيز كوصف لجورج دبليو بوش، حيث شبه رئيس فنزويلا الراحل الرئيس الأمريكي السابق بإبليس، نظرا لأنه في الموروث العقائدي الكاثوليكي الشيطان له رائحة الكبريت. وهناك عبارات أفظع استخدمها الزعيم الكوبي فيدل كاسترو مثل وصف خصومه بالمخنثين.

تقول الكاتبة "لم أكن انتوي عمل كتالوج للشتائم"، ولكنها تعترف أنها كتبت النص بمطلق الحرية وبمنتهى الجموح "بدون أي حس رقابي"، مؤكدة أن "هذا العمل لا يخاطب شريحة معينة، ولكنه يستقي الكثير من لغة الشارع، كما انتقى الكثير من التعبيرات المستخدمة لدى سكان القصور وسكان العشوائيات على حد سواء، والتي استعار الكثير من الأدباء مفرداتها بدون أي إشادة أو إطراء على إسهام هذه المفردات في نجاح العمل الأدبي".

ولم تخل كتابات ثربانتيس، مؤلف "دون كيخوتة" الرواية الأشهر على مر العصور، من مفردات شائنة حتى في وصف بطل العمل نفسه "أحمق، أبله، نذل"، وتعتبر هذه المفردات بعضا من كل. أما خورخي لويس بورخيس، الأديب الأرجنتيني الأكثر اطلاعا على الثقافة العربية وروافدها ونتاجها الفكري والديني والأدبي مثل القرآن وألف ليلة وليلة وكتابات ابن رشد وابن خلدون، فيعتبر بحق "أستاذ السخرية والعبارات البذئية في أدب أمريكا اللاتينية". أما أديب نوبل الإسباني كاميلو خوسيه ثيلا فيعد أحد أبرز المدافعين عن هذه المفردات برغم وقاحتها بوصفها مكونا ثقافيا مهما، وقد نجح حينما كان عضوا في الأكاديمية الملكية للغة الإسبانية في انتزاع اعتراف من الأكاديمية ببعض الألفاظ البذيئة وإدراجها في القاموس.

ويحسب للكتاب أنه جمع أيضا تعبيرات بذيئة كانت قد اندثرت، والتمييز بين الشتائم التي تستخدمها النساء وتلك التي يستخدمها الذكور. فعلى سبيل المثال تعتبر كلمة "أحمق الأكثر شيوعا في الاستخدام من قبل الذكور أما بالنسبة للنساء في السباب الأكثر تداولا هو عاهرة". ومن ثم يدخل الكتاب في مسألة المساواة بين الجنسين عاقدا مقارنة بين استخدام المفردات على النحو التالي: في الإسبانية يقال ثعلب لوصف الرجل الماكر أو الخبيث، أما مؤنثها فيعني شيئا مختلف تماما (عاهرة)، أما كلمة "Golfo" فتعني الرجل الفظ خشن الطباع، ولكن مؤنثها يعني أيضا "امرأة سيئة السمعة".

يضم الكتاب فصلا بعنوان "قولي كيف تشتم أقولك من أنت"، وفقا للمؤلفة الإسبانية "الأسلوب الذي نعبر به عن غضبنا أو انفعالنا أثناء السباب يعطي صورة حقيقية وواقعية تماما عنا، سواء الجيل الذي ننتمي إليه أو الطبقة والوسط الاجتماعي الذي ننحدر منه وبكل تأكيد ملامح الشخصية وطبيعتها ومن أي بلد سواء إسبانيا أو أمريكا اللاتينية، حيث كان الحكماء يقولون أن السباب لا ينتقص ممن يتعرض له بل من قائله".

لذلك تعول الكاتبة على ذكاء من يطلق السباب "يجب أن يكون الانسان حصيفا حاذقا بحيث يختار لفظا ينفذ سريعا للآذان منزلقا كما لو كان مغلفا بفازلين ولكنه لاذع وشديد التأثير كضربة السوط، في أحد المواقف تكفي ابتسامة، ويكون لها أحيانا تأثير أقوى من حد السكين. أنا أكره الألفاظ النابية ولكن أميل إلى الإجابات الذكية التي تحمل سخرية، بالرغم من أني اتفهم أن البعض يتعين عليهم أحيانا الدفاع عن أنفسهم باللفظ، ومن هنا تأتي أهمية ثراء هذا الجانب من اللغة".

إيلينا بوكس
الثلاثاء 14 يوليوز 2015


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan