Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile




عيون المقالات

الحرية بوصفها مشكلة

05/05/2021 - توفيق السيف

إيران في مهب عاصفة ظريف

04/05/2021 - د. خطار أبو ذياب

لماذا عقد اجتماعي عربي جديد؟

02/05/2021 - محمد أبو رمان

عن مواطن اسمه ميشيل كيلو

27/04/2021 - أيمن أصفري

لبنان الإيراني... يرحب بكم

25/04/2021 - اياد ابو شقرا

ميشيل كيلو وفارس الخوري

23/04/2021 - ناهد بدر

بايدن يهرول في اتجاه إيران

23/04/2021 - علي حمادة


ما بعد ماركس..ما بعد الماركسية




1- مدخل - ليس من المنطقي والإنصاف الاكتفاء بحشر كارل ماركس ونظريته ما بين دفتي الكتب الخاصة بتاريخ الفكر الإنساني، والتعامل معه على وفق الطريقة ذاتها التي نتعامل بها مع نصوص أساطين الفكر والفلسفة، أولئك الذين اكتفوا بتفسير العالم، منذ سقراط وأفلاطون وأرسطو وحتى يومنا الحاضر. إن ما تركه ماركس هو فكر دائم التحرش بالواقع التاريخي. فهو أداة نقد، لاسيما للنظام الرأسمالي، لم تستنفد مقوماتها المنهجية ورؤاها بعد. وهو مشروع للتطبيق الكوني ما زال يداعب مخيلة ملايين البشر في أرجاء المعمورة، ويحفِّز على التفكير والعمل من منظور ما نطلق عليه تسمية؛ الماركسية، في سبيل تفسير العالم وتغييره في الآن معاً.


 

بعد وفاة ماركس عمل كثر من المفكرين على تخصيب النظرية الماركسية بمعطيات مناهج وأفكار نمت ونضجت في حقول معرفية مختلفة. وبذلك لم يبق الفكر الماركسي جزءاً من تاريخ الفكر فقط، وإنما ظلَّ فاعلاً في المجال المعرفي لاحقاً، ومؤثراً بقوة في الحدث التاريخي. ولابد أن نتائج التلقيح والتخصيب والتفاعلات ستنتهي إلى غير ما انتهى إليه ماركس بشأن قضايا ومعضلات شتى، بعضها لم يكن معروفا في عهد ماركس، أو لم يكن معروفاً بهذه الحدّة.
والآن، بعد هذا الذي حصل كله، ما الذي تبقى من ماركس، والماركسية؟ وماذا عن؛ ما بعد ماركس، وما بعد الماركسية؟ وهل الـ ( ما بعد ) ضرورة يقتضيها منطق التطور التاريخي؟ هل الـ ( ما بعد ) شيء محتم؟ وأن يكون هناك تأسيس لـ ( ما بعد ) لنظرية ما، ألا يثبت، من جهة ثانية، حيوية تلك النظرية، واستمرار قدرتها على التأثير والإلهام؟.
لنفرّق أولاً، بين مقولتي ( ماركس والماركسية ).. بين ماركس الرجل المفكر والمناضل السياسي الاشتراكي المولود في العام 1818 والمتوفى في العام 1883، وما أورثه إيانا من أفكار ونظريات ومفاهيم وتعليقات وتعقيبات وهوامش في مؤلفاته ورسائله، فضلاً عن منهج دراساته العلمي الجدلي والذي به أنشأ ما سميت بالمدرسة الماركسية والحركة الماركسية، وبين الماركسية التي هي شيء آخر أوسع وأعقد وأشد التباساً. فالماركسية استندت إلى المبادئ النظرية التي أرساها ماركس والمنهج الذي اختطه، لكنها ضمّت، فضلاً عن أفكار ماركس وفردريك أنجلس، فيما بعد، أفكار أعداد لا تحصى من المفكرين ممن تبنوا أفكار ماركس وأوسعوه شرحاً وتفسيراً وتأويلاً، وبعضهم تقويماً ونقداً وإعادة صياغة، حتى ما عادت هناك ماركسية واحدة، بل ماركسيات متناقضة، وأحياناً متناحرة.
ماذا يعني أن تسبق كلمة الـ ( ما بعد ) اصطلاحاً/ مفهوماً مشاعاً، غنياً وإشكالياً مثل ( الماركسية ) وتندمج به؟ عمَّ نكون نتحدث إذ ذاك؟. وهل نقصد الشيء عينه حين نجترح اصطلاح/ مفهوم ( ما بعد ماركس )؟. هل القول بـ ( ما بعد ماركس ) يعادل القول بـ ( ما بعد الماركسية )؟ أم أننا نشير، ها هنا، إلى مسألتين، أو واقعتين نظريتين مختلفتين؟ هل نقصد، وببساطة، بـ ( ما بعد ماركس ) الأشخاص المفكرين الذين ألهمهم ماركس، والذين جاءوا بعده، وبـ ( ما بعد الماركسية ) الحركات والتيارات الفكرية التي ظهرت بعد ظهور الماركسية؟. هل يعادل القول بما بعد الماركسية، بالمقارنة مع الماركسية من حيث صيغة المفهوم ونطاقه وبنيته القول بما بعد الحداثة بالمقارنة مع الحداثة، إذ أن ما بعد الحداثة جاءت لتفند وتسفّه المنطلقات والمبادئ التي قامت عليها الحداثة؟. وفي حين، نحن نعلم أن الأفق النظري ونطاق اشتغال ما بعد الماركسية بالقياس إلى الماركسية يختلف تماماً عن الأفق النظري ونطاق اشتغال نظريات ما بعد الحداثة بالقياس إلى الحداثة. فهل أن اصطلاحات الـ ( ما بعد ) تشير إلى مناهج وحقول دراسات ومقاصد تتباين بحسب السياق المستخدمة فيه؟.
يقول الدكتور فالح عبد الجبار في مقدمة كتاب ( ما بعد الماركسية ) الذي أعد فصوله المكتوبة من قبل باحثين متعددين ومنها فصل كتبه هو بعنوان ( ماركس والدولة: النظرية الناقصة )؛ "هذا الكتاب محاولة متعددة الاجتهادات. ولعل عنوان الكتاب نفسه يعبّر عن هذا التعدد بما يكتنفه من لبس. فكلمة ( ما بعد ) قد تُفسّر بمعنى التجاوز. أو معنى النسخ. أو معنى السؤال. هل نغالي إذا قلنا إن ثمة حاجة محسوسة إلى كل ذلك؟".
يومئ اقتران ( الما بعد ) بمفهوم معين، أحياناً، إلى إعادة تحديد مساحة اشتغال المفهوم ذاك، ونطاق تأثيره.. يستحيل المفهوم جهازاً جرى تكييفه ليغدو مفتاحاً أو آلة لاستكشاف نظري، أو معياراً للتقويم والاستشراف. ولا شك أن إتقان كيفية تفعيل عمل المفهوم نظرياً لبناء تصور عن واقع قائم، وفي طور التحوّل، يعد شرطاً محايثاً في الجدل الدائر حول الـ ( ما بعد/ الحداثة، الكولونيالية، البنيوية، الماركسية، الخ ). مع تباين ماهية وطبيعة ومجال استخدام وحدود كل مفهوم من هذه المفاهيم. فهل الـ ( ما بعد ) كناية عن قطيعة معرفية مثل تلك التي تحدث عنها جاستون باشلار، ومن ثم ميشيل فوكو، أم استمرار للأصل بطرق أخرى؛ أي ضرورة للاستمرار؟.
يضعنا هذا، في البدء، أمام واقع اصطلاحي جديد، مغاير للاصطلاح السابق؛ ( الماركسية )، وقبل ذلك للاسم العلم؛ ( ماركس )، لنجد أنفسنا، حينئذ، مقودين لمواجهة جملة شائكة من التساؤلات والأفكار.
هل يصح أن نطلق على شخص ما تسمية؛ ( ما بعد ماركسي ) وأن ننعت حركة فكرية، أو سياسية ما، بأنها ( ما بعد ماركسية )؟ وعلى وفق أية معايير؟. هل يمثـّل الاصطلاحان/ المفهومان ( ما بعد ماركس وما بعد الماركسية ) ظاهرة فكرية علينا القيام بتوصيفها؟ هل نتحدث عن تيار فكري بعينه، واضح الرؤى والأهداف ومتماسك، أم عن تيارات شتى، ربما تكون متناقضة في توجهاتها؟ وحين نقول ما بعد ماركس فهل نروم نقد ماركس وتقويمه، أم نرمي إلى أن نكون ضده؟. هل ما بعد الماركسي هو الماركسي الذي هجر الماركسية وبات يؤمن بفكر آخر يناقضها؟. في المقابل، أنقصد بـمفكري ( ما بعد ماركس ) أولئك الذين اصطفوا في خانة ( ماركس )، شارحين نظريته ومؤوليها مع الالتفات إلى ما طرأ على الفكر الإنساني من تطور، وعلى التاريخ والواقع الإنسانيين من تحولات عميقة، حاسمة؟ أهم مطورو تلك النظرية؟ أهم منتقدوه من الموالين أم هم منتقدوه من الخصوم؟ أو إنهم من عالجوا القضايا ذاتها من منظور مختلف؟. أهم من قاربوا الموضوعات التي تناولها ماركس، وهذه المرة من منظور جديد.. بقوا مخلصين، في سبيل المثال، للتحليل الطبقي، ولكنهم أخذوا بنظر الاعتبار الخريطة الجديدة للمواقع الطبقية والصراعات والتحالفات الطبقية تبعاً للشروط المستجدة للواقع ليعيدوا معها صياغة النظرية، مكيّفة مع التطور التاريخي؟.
هل أن الماركسيين الذين جاءوا بعد ماركس، ومنهم الماركسيون المعاصرون هم جميعاً ما بعد ماركسيين؟ أم هم فقط أولئك الذين حاولوا ملاءمة النظرية الماركسية مع واقع اقتصادي/ اجتماعي/ سياسي أكثر تعقيداً من ذاك الذي خبره ماركس، وصاغ نظريته ومنهجه في ضوء معطياته؟ هل بالإمكان القول أن الـ ( ما بعد ماركسيين ) هم الورثة الشرعيين المخلصين لماركس، أم هم ورثته، بوجه عام، العاقين منهم والأوفياء؟. وأيضاً؛ من زاوية أخرى، هل نقصد بما بعد الماركسية تلك النظريات التي استعارت الماركسية وطورتها لكنها مكثت في ضمن فضائها أم هي النظريات التي جاءت بعدها وانتقدتها وصاغت لنفسها جهازها المفاهيمي الخاص ومنهجها التحليلي الخاص وبنيتها النظرية الخاصة؟.
هل يزيح الاصطلاح الثاني المتضمن للما بعد الاصطلاح الأول وهو، في هذا المقام ( الماركسية )؟ وأرى أنه في الحالات كلها، يجب أن يتعرض الاصطلاح الثاني للاصطلاح الأول. ويبقى السؤال عن شكل هذا التعرّض وآليات اشتغاله ومقصده. فيبرز عدد من الاحتمالات؛
ـ أن يقوم الاصطلاح الجديد بنسف الاصطلاح السابق وإقامة بنيانه النظري على أنقاض ذلك الاصطلاح المدمَّر.
ـ أن يستوعب الاصطلاح الثاني الاصطلاح السابق ويرممه، أي يصلحه ويطوِّره.
ـ أن يضعه على محور مغاير، في مواجهة إشكاليات جديدة وأسئلة جديدة.
وإذن، هل ينشق الاصطلاح الثاني من الحقل المنهجي والنظري ذاته للاصطلاح الأول، أم يأتي من خارجه.. من منهج مغاير وأرضية فكرية مختلفة؟. أو بعبارة ثانية؛ إلى أي مدى ينطوي مفهوم الما بعد على بُعد الانزياح بتوسيعه لمجال الإشكالية المعنية أو نقل الإشكالية إلى منطقة أخرى أو النظر إليها من منظور آخر. أو إعطاء الأولوية لإشكالية غير تلك؟. من ثم، ألا يُفترض بنا، حين نكون في منطقة الانزياح، إرساء تقاليد وقواعد نقدية أخرى؟.
بعد ذلك، ومرة أخرى، هل كلمة ( الما بعد ) يعزز ما يُكمل أم ما يُدحض؟.
إن القول بالـ ( ما بعد ) هو في حقيقة الأمر شروع بعملية نقد، أو وعد بها على الأقل. فليس التعقيب الزمني هو ما يعنينا وحسب. ليس ما بعد ماركس بهذا المعنى هو القيام بجرد لأفكار من جاؤوا بعده، بعد رحيله عن هذا العالم. وليست ما بعد الماركسية هي الحركات الفكرية التالية لانبثاق الماركسية. فالمسألة تتخطى هذا. فثمة فرق نوعي بين مفهوم ( الماركسية بعد ماركس ) وهو عنوان كتاب لبيير سويري، وبين مفهوم ( ما بعد الماركسية ). فاللوحة ما بعد الماركسية ذات أبعاد ثلاثة، بُعدها العميق هو البعد النقدي؛ نقد فكر ماركس نفسه، ونقد الماركسية، لا بمعنى هدمهما وإنما تحفيز الفكر الماركسي على الحياة والاستمرار. وربما بدت اللوحة للوهلة الأولى غير منسجمة متناقضة، وتبعث على الدوار. غير أن الأمر يبرهن على قدرة ذلك الفكر على الحياة والتجدد والتنوع.
إن ما يعدنا به ملحق الـ ( ما بعد ) هو التنكيل بالدوغمائية.. إن ما هو صائب اليوم، قد لا يكون كذلك غداً.. وما كان غائباً بالأمس، لا يعني أننا لن نلقاه في يومنا هذا أو في غدنا.. نكون إذذاك إزاء إجابات مختلفة على الأسئلة القديمة، وإزاء أسئلة جديدة تتطلب إجابات غير مسبوقة. وفيما يتعلق بالماركسية وما بعدها يبقى في القلب من تلك الأسئلة السؤال الطبقي، الذي يتفرع منه أسئلة لا تعد ولا تحصى.. أسئلة من قبيل؛ هل ما تزال البروليتاريا الطبقة الأكثر ثورية بامتياز؟ هل ما تزال طبقة عابرة للحدود القومية كما كان ماركس يعتقد؟ هل يمكن توسيع نطاق البروليتاريا ليضم فئات أخرى تنتج اليوم في عصر المعلوماتية وتساهم في خلق القيمة، أولئك الذين نطلق عليهم تسمية ( عمال المعرفة )؟ هؤلاء الذين لا يمتلكون سوى قوة عملهم ( الفكري ) ويخلقون فائض القيمة الذي يستولي عليه الرأسمالي! أم إن عمال المعرفة هم، ببساطة، في ضمن الطبقة الوسطى؟. وقد نألف أنفسنا، عندئذ، في مواجهة ضرورة إعادة تعريف مفهوم الطبقة.. وأيضاً، هل استطاع ماركس، حقاً، اكتشاف قوانين التاريخ؟ وهل تفسِّر لنا تلك القوانين طبيعة التحولات الكبرى في التاريخ مذ وجد الإنسان على وجه البسيطة وحتى نهاية العالم؟. أم أن ما حدّده ليس سوى قوانين المرحلة الرأسمالية في الحقبة التي عاش فيها؟. ثم؛ هل ثمة قوانين واحدة هي التي تسيّر حركة المجتمعات كلها، في كل زمان ومكان؟. وإذا قلنا مع من يقول أن ماركس أو غيره لم يقعوا على مثل هذه القوانين فهل من حقنا افتراض وجودها وإمكانية اكتشافها؟.
في الما بعد نعيد تأويل النظرية.. نقبلها بهذه النسبة أو تلك، وقد نرفضها.. هذا كلام عام، لكن فيما يخص موضوعتنا عن الماركسية وما بعدها، فإن ما يجعلنا مشوشين ويصيبنا بالدوار هو هذا الكم الهائل من التراث النظري المكتوب مستلهماً ماركس أو ناقداً له وللماركسية، فضلاً عن تلك التجارب الاشتراكية كلها التي خيضت خلال المئة السنة الأخيرة، ناهيك عن تجارب الأحزاب الماركسية في المعارضة ( في المدة ذاتها ) في كل مكان من أقطار المعمورة. ولا بد أن أية محاولة لقراءة هذا التراث وهذا التاريخ هي أمر غاية في الصعوبة والتعقيد.
أعتقد أن الأسس النظرية لـ ( ما بعد الماركسية ) تقوم على:
1ـ نقد الفكر الماركسي، بتراكماته النظرية، بما في ذلك أفكار ماركس نفسه.. النقد بمعنى التقويم وإعادة الصياغة، وإخضاع مجمل الأطروحات الماركسية للأسئلة المستلة من راهننا، من أجل معرفة ماذا تبقى من ماركس، والماركسية؟ ولا شك أن ما تبقى منهما ليس بالشيء اليسير.
2ـ نقد الرأسمالية بتجلياتها وظواهرها وتاريخها وآلياتها وسياساتها وأزماتها. وأيضاً بنظرياتها ومناهجها وإعلامها وثقافتها. وبطبيعة الحال سيحضر، ها هنا، ماركس ومنهجه وأفكاره ورؤاه بقوة.
3ـ الاستفادة من المناهج الحديثة في حقول العلوم الإنسانية، وتمثلها ونقدها. وإخصاب النظرية الماركسية بها.
4ـ النظر الماركسي العلمي التحليلي إلى جملة التحديات الجديدة؛ العولمة وتطور التقنية.. مشكلات البيئة الحيوية.. تغيرات الخريطة الطبقية للمجتمعات.. مشكلات الهجرة.. الديكتاتوريات والحروب بالإنابة.. العنصرية والتهميش والاحتلالات وعودة الكولونيالية بذرائع مبتكرة.. مشكلات الفقر والجوع والجريمة المنظّمة والمخدرات والرقيق الأبيض.. تجدد قدرة الرأسمالية على حل أزماتها.. الخ.
5ـ الإجابة على أسئلة مثل؛ ماذا حصل في العالم بعد ماركس؟ ماذا حصل في بنى ومسارات الظواهر التي عالجها؟ هل سار الواقع بحسب تنبؤاته أم خالفها، كيف ولماذا؟ ثم، هل الـ ( ما بعد الماركسية ) تعالج ( الظواهر/ الإشكاليات ) ذاتها بمقاربات مختلفة، أم تأخذ بالمقاربات ذاتها لمعالجة ظواهر جديدة؟ أم أن المقاربات والمعالجات والظواهر، تكون مختلفة عن تلك التي تناولها ماركس؟ وأخيراً ما الذي يتبقى من ماركس في ( ما بعد ماركس ) و ( ما بعد الماركسية )؟. أهو المنهج ( المادية التاريخية ) أم الإشكاليات الأهم التي تعاطى معها؛ التفسير المادي للتاريخ المتمثل بأولوية العامل الاقتصادي في عملية التفسير تلك، وبالصراع الطبقي محرِّكاً أساسياً للتاريخ؟. أم الروح النقدية التي طبعت كتاباته بموضوعها الرئيس ( النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي الرأسمالي )؟.
تكون ما بعد الماركسية مفعمة برؤى ماركس وجدله.. بتلك الملكة النقدية السجالية العالية.. بالمضي بعملية التحليل والتركيب إلى أقصاه.. بتعميق البحث وتوسيع حدوده، وأبداً من منظور تاريخي جدلي يأخذ بنظر الاعتبار مجموعة أقانيم مفاهيمية، ويتحرى عن التناقضات الاجتماعية ـ الاقتصادية وما يرتبط بها من صراع طبقي، وتطور اجتماعي، وتقدم للقوى المنتجة وعلاقات الإنتاج.
نخلص إلى القول أن ما بعد ماركس وما بعد الماركسية اصطلاحان متداخلان يحملان طاقة منهجية ـ نقدية، ويصدران من أفق نظرية ماركس والتراث الماركسي.. يبغيان إعادة تقويم النظرية وإنعاشها مجدداً، في عصر متنوع الوجوه، ومضطرب تسيطر عليه وتدير دفته قوة رأس المال ومؤسساته الجبارة. وذلك كله من أجل طرح بدائل واقعية ممكنة ومقنعة للعولمة بصيغتها الرأسمالية الحالية، وللنظريات التي تسعى لتأبيد الوضع العالمي القائم في خريطته الجيوسياسية وأنماط علاقاته التي جوهرها الهيمنة والاستغلال والتحكم ( عن قرب وعن بعد ) بالآخرين وإشعال الحروب.. تلك النظريات التي تقول بصراع الثقافات والحضارات، أو بنهاية التاريخ.
والآن، هل نستطيع اقتراح نموذج واحد ( ما بعد ماركسي ) منهجاً وتصورات ورؤى؟ أعتقد أن الإجابة هي؛ لا. فالمابعد ماركسية ليست مدرسة قائمة بحد ذاتها، متسقة الأفكار والمنهج، وإنما مجموعة من الاتجاهات والآراء والمناهج المتخالفة والمتضاربة أحياناً، والتي تتفق في أشياء وتختلف في أخرى. أي أن ما يمكن إنشاءه هو؛ نماذج ماركسية مستفيدة من الفتوحات النظرية والمنهجية العلمية لحقول المعرفة الإنسانية كافة تعمل على تنقية الماركسية أولاً من عوالقها الإيديولوجية الدوغمائية، والطوباوية التي أثبت الواقع لا واقعيتها ولا معقوليتها، وإعادة صياغة النظرية والمنهج الماركسيين، المرة بعد المرة، تبعاً لتغيرات المحيط الاجتماعي والاقتصادي في العالم، والتطورات الحاصلة في مناهج العلوم الإنسانية. ومن غير الإخلال بجوهر الماركسية المتمثل بنقد المرحلة الرأسمالية، وطابعها الاستغلالي القهري والاستلابي. والنضال من أجل تغيير العالم لمصلحة الإنسان العامل، وتحقيق أعلى قدر ممكن من العدالة الاجتماعية والاقتصادية.
إن موضوعة ( ما بعد الماركسية ) تبقي النقاش مفتوحاً بصدد نقد النظام الرأسمالي العالمي وتمظهراته كافة، والتشكيك ( القائم على أسس منهجية علمية ) بقدرته، حتى النهاية، على حل أزماته. إلى جانب اجتراح صيغ وأطر وآليات جديدة فعالة لنظام اجتماعي سياسي عادل ( اشتراكي ) بديل لا يغتال الديمقراطية، ولا ينكّل بالإنسان وحقوقه، ولا يُصادر الحريات المدنية.. ينمّي الاقتصاد ويحقق الوفرة ويضمن حقوق الأجيال الآتية في موارد الأرض والفضاء.. يحل السلم العالمي وتعايش الثقافات والحضارات، ويحترم التنوع والاختلاف. أو، بعبارة مختصرة، يحسِّن شروط الحياة البشرية.. ذلك حلم صعب، لكنه ليس بمستحيل.
--------------
الحوار المتمدن


سعد محمد رحيم
الاربعاء 21 أبريل 2021