نظرا للصعوبات الاقتصادية التي رافقت الجائحة وأعقبتها اضطررنا لإيقاف أقسام اللغات الأجنبية على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

الحاجة إلى التغيير في العالم العربي

26/02/2024 - د. عبد الله تركماني

دفاعاً عن العقوبات!

22/02/2024 - سمير التقي

العصر البربري الحديث

22/02/2024 - عالية منصور

حين يكون الانسان إسما على مسمى

21/02/2024 - د. محيي الدين اللاذقاني

45 عاماً على ميلاد مأساة

21/02/2024 - حازم صاغية

مؤامرة إخوانية غربية أم ثورة شعب؟

19/02/2024 - عبد الباسط سيدا

عندما تتحوّل الحرب إلى غاية

19/02/2024 - د. يحيى العريضي

شهادات من منزل خليفة داعش

19/02/2024 - حسام جزماتي


هل تصمد اقتصادات الشرق الأوسط أمام تحديات الحروب؟






لم تعد الاقتصادات الحديثة محصنة من التغيرات التي تحصل في بقاع العالم المختلفة، فالتجارة العالمية والتفاعل بين الدول والشركات، وتنامي التخصص في الانتاج الصناعي، عوامل جعلتها تتأثر بالأحداث الخارجية، سواءٌ أكانت خطوط الملاحة، أم الحروب، أم الكوارث الطبيعية، أم الكساد والتضخم والأزمات السياسية.


لكن البلدان الكبيرة ذات الاقتصادات المتنوعة، كالصين والولايات المتحدة والهند وروسيا والبرازيل، أكثر تحصنا ضد الأحداث الخارجية من اقتصادات الدول الصغيرة، أو تلك التي تعتمد اعتمادا كبيرا على الأسواق الخارجية أو مصادر الدخل المحدودة. اقتصادات دول الشرق الأوسط، مثلا، تتأثر تأثرا كبيرا بالعوامل الخارجية، على خلاف ما يحصل في اقتصادات الدول المتطورة، التي تمتلك عناصر داخلية تجعلها أقل عرضة للتأثر بالعوامل الخارجية.

سبب هشاشة اقتصادات الشرق الأوسط، هو أنها تعتمد إما على تصدير المواد الأولية إلى الخارج، كالنفط والغاز، وهذه تتأثر بانسيابية النقل وسلامة خطوط الملاحة، ومدى حاجة الدول الأخرى لها، أو على السياحة، التي تعتمد ابتداءً على الاستقرار والسلم الداخليين، والرخاء والنمو الاقتصادي الخارجيين.

وقد أظهر العديد من اقتصادات الشرق الأوسط، خصوصا المعتمدة أساسا على مصادر دخل أحادية، ضعفا بنيويا وتصدعات واختلالات خطيرة بعد اندلاع الحرب في غزة، التي جعلت المنطقة كلها تبدو غير مستقرة، الأمر الذي أثَّر سلبا على السياحة في كل من مصر والأردن، اللذين يعتمدان اعتمادا كبيرا على إيرادات السياحة الخارجية.

بينما لم تتضرر السياحة في المغرب التي تشكل 7% من الناتج المحلي الإجمالي، بل إن عدد السياح في المغرب قد ازداد في عام 2023 إلى 14 مليون سائح، مقارنة بـ 11 مليونا في عام 2022، وفق ما نقلته وكالة رويترز للأنباء، عن وزيرة السياحة المغربية، فاطمة الزهراء عمور. وقد حصل ذلك رغم الحرب في غزة، والهزة الأرضية التي ضربت المغرب في سبتمبر الماضي. وتعتبر المغرب من أكثر الدول استقرارا في شمال أفريقيا، وقد اختار صندوق النقد والبنك الدوليان، أن يعقدا مؤتمرهما العام في مراكش مطلع أكتوبر الماضي. 

السياحة في تونس هي الأخرى لم تتضرر، وقد اعتبرت وزارة الخارجية البريطانية تونس دولة آمنة، باستثناء بعض المناطق الطرفية، التي حذرت البريطانيين من زيارتها. كما نصحت الوزارة السياح البريطانيين بتجنب الاقتراب من الاحتجاجات الشعبية في العاصمة، لأن تونس “متعاطفة مع القضية الفلسطينية، وأن رئيسها قيس سعيد، دعا إلى دعم الشعب الفلسطيني” وفق جريدة التايمز البريطانية!

لكن السياحة في الأردن، الذي تشكل إيراداته منها 15% من ناتجه المحلي الإجمالي، قد تضررت جراء حرب غزة، رغم عدم تأثر البلد فعليا بالحرب، لمن السياح الأجانب أخذوا يتجنبون السفر إلى دول الشرق الأوسط القريبة من الصراع، باحثين عن وجهات أخرى.

ومنذ بدء الحرب في غزة، تناقصت رحلات الطيران إلى الأردن بأكثر من النصف، وفق مجلة الإيكونوميست، بينما تضررت بعض قطاعات السياحة بأعلى من هذه النسبة، وفق استطلاع لآراء مديري المرافق السياحية في الأردن، أجراه برنامج “العالم”، (The World)، في الراديو العام الأمريكي، علما أن الأردن دولة آمنة ومستقرة وفيها حكومة قوية، وخدماتها السياحية التنافسية لم تتأثر فعليا بالحرب، لكن هذه المسائل تقررها تصورات السياح، وقد لا تكون دائما دقيقة.  

التجارة البينية بين دول الشرق الأوسط تضررت أيضا، بل انعدمت بين بعض الدول، بعد اندلاع حرب غزة، بسبب نقص الإيرادات في بعض الدول المتضررة، وارتفاع تكاليف النقل، وتزايد الهجمات على خطوط الملاحة. أما المتاجر الصغيرة والشركات العاملة في الأسواق ذات التنافس الشديد والأرباح القليلة، فقد لجأت إلى تقليص نشاطاتها، أو اضطرت للخروج كليا من السوق.

الدول التي تعتمد على الامدادات عبر النقل البحري، وهي الدول المطلة على البحر الأحمر، كمصر والسودان، تضررت أكثر من غيرها. مصر خسرت 40% من إيرادات قناة السويس خلال ثلاثة أشهر، مقارنة مع الفترة نفسها في العام الماضي، حسب مصادر عديدة. وتقدر الخسارة بملياري دولار، قياسا بإجمالي إيرادات القناة في العام الماضي، البالغة 9 مليارات دولار. أما حركة السفن التجارية في القناة، فقد تدنت منذ بدء هجمات الحوثيين، بل تعتبر الأدنى منذ إغلاقها في مارس عام 2021، إثر عطل سفينة (Ever Given)، المسجلة في بنما.

إن مصر دولة مركزية في الشرق الأوسط، وهي الدولة الأكثر سكانا في المنطقة، وإضعافها هو إضعاف لدول المنطقة أجمعها، بل هو إضعاف لسكان غزة، الذين يتسلمون المساعدات الإغاثية عبر معبر رفح المصري. ويمكن القول إن هجمات الحوثيين، التي يُدَّعى بأنها تحصل “انتصارا” لسكان غزة، إنما هي تُضعِف مصر والدول العربية الأخرى المسانِدة للقضية الفلسطينية.

أما السودان فقد انقطعت عنها المساعدات الإغاثية المارة عبر البحر الأحمر، والتي يعتمد عليها المدنيون، الذين وجدوا أنفسهم فجأة وسط حرب مدمرة بين زعيمين متنافسين على السلطة. من الصعب تقدير الأضرار التي ستلحق بالسودانيين جراء عرقلة الملاحقة في البحر الأحمر، لكنها بالتأكيد كبيرة ومؤثرة، خصوصا مع توقف عمل المنظمات الإنسانية نتيجة لهجمات الحوثيين على السفن التجارية.

إسرائيل هي الأخرى تضررت ضررا فادحا، فبالإضافة إلى الخسائر البشرية والمادية التي تتكبدها يوميا، فإن صناعاتها التكنلوجية، التي كانت تشكل 20% من الناتج المحلي الإجمالي، حسب مجلة الإيكونوميست، قد توقفت كليا بسبب انسحاب المستثمرين وعزوف الزبائن عن التعامل مع الشركات الإسرائيلية، بينما انتقلت الأيدي العاملة من المصانع إلى الجيش. لكن الدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل، سوف يعوضها عن الخسائر الاقتصادية، لذلك لن تكترث حكومة نتنياهو للأضرار الاقتصادية.

أما العراق، الذي لم يتضرر حتى الآن من حرب غزة، فقد يتكبد أضرارا طويلة الأمد، خصوصا وأن الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران استغلت الظروف الاستثنائية الحالية لمهاجمة الأهداف الامريكية والعراقية بحجة (الانتصار لغزة)، بينما الحقيقة هي أنها تستجيب لأوامر إيرانية تهدف إلى إخراج الأمريكان من العراق، من أجل إضعافه، كي تنفرد إيران بالهيمنة عليه، وتجعله جزءا أساسيا من منطقة نفوذها.

العراق عنصر مهم جدا في المشروع الأيديولوجي الإيراني الطائفي، فهو مهد التشيع، وفيه أقدس مراقد الشيعة، وأهم مدارسها الدينية، لذلك فإن الهيمنة الإيرانية عليه أساسية لنجاح المشروع الإيراني التوسعي. لم تحلم إيران يوما بما تحقق لها في العراق بعد الغزو الأمريكي، والذي تحقق بسبب تبعية قوى عراقية لها، وعدم اكتراث أمريكي، بل تخلٍ فاقع ومعيب عن المسؤولية الأخلاقية الأمريكية تجاه العراق، عندما احتلته ثم سلمته لأعدائه!

إن انسحب الأمريكيون من العراق، وهذا محتمل، فقد انسحبوا منه عام 2011، ووجودهم في العراق ليس ضروريا لهم، وإنما هو ضروري للعراق، لردع الجماعات الإرهابية والدول الطامعة من التعرض له، فإن العراق سيلتحق نهائيا بالمعسكر الإيراني، وقد يتحول إلى دولة منبوذة وفقيرة ومحاصرة، إقليميا ودوليا.

الاقتصاد العراقي قد ينهار، خصوصا وأن النفط لن يكون متوفرا كمصدر للدخل، إما بسبب فرض عقوبات أمريكية على العراق، نتيجة للنشاطات الإيرانية المسلحة فيه، أو لتناقص أهمية النفط كمصدر للطاقة. أما مصادر الدخل الأخرى، كالزراعة، فلم تعد مجزية بسبب تسارع التصحر وشح المياه، ومغادرة الفلاحين الزراعة إلى قطاعات أخرى، واعتماد العراق على الصادرات الزراعية الإيرانية.

دول الخليج العربي لم تتضرر كثيرا حتى الآن، وهي على الأرجح لن تتضرر، خصوصا الدول التي تمكنت من تنويع اقتصاداتها، ولم تعد تعتمد على النفط كمصدر أساسي للتمويل، كالسعودية والأمارات، ولكن أمن الملاحة في البحرين الأحمر والعربي، وفي الخليج العربي، سيبقى ضروريا جدا لدوام الرخاء والاستقرار الإقليمي، ولا شك أنها ستكرس جهودها لضمان أمن المنطقة، وتستمر في تعزيز أمنها واقتصاداتها.

لقد أبرزت حرب غزة العديد من القضايا التي كانت مهملة، وأولاها أن مصالح دول المنطقة مترابطة عضويا، فلا يمكن بعضها أن يستقر وينمو ويتقدم دون البعض الآخر. هناك حاجة ماسة لتضافر الجهود العربية من أجل حل مشكلة السودان عاجلا، وهذا ممكن، فدول المنطقة لديها تأثير على طرفي النزاع، وكذلك إيجاد السبل لدعم الاستقرار في كل من اليمن والصومال، اللذين برهنت الأحداث على أن عدم استقرارهما يؤثر على استقرار المنطقة ككل، وعلى خطوط الملاحة الدولية.
اقتصادات الشرق الأوسط قادرة على الصمود، ولكن هناك حاجة لسياسات مدروسة لمواجهة التحديات الحالية والمحتملة. لقد برهنت الأحداث الأخيرة أن المواقع الاستراتيجية للدول العربية، إضافة إلى ثرواتها الطبيعية والبشرية، تمكنها من أن تلعب دورا دوليا رائدا، وتساهم في التكامل الاقتصادي لدول المنطقة، وبالتالي تعزيز قوتها لحماية مصالح شعوبها ودرء الأخطار الخارجية المحدقة بها، شرقا  وغربا
---------

  حميد الكفائي باحث في الشؤون السياسية والاقتصادية
سكاي نيوز عربية


حميد الكفائي
الاحد 28 يناير 2024