أثريون : امنحتب ترك مئات القطع الأثرية التي لازالت فى باطن الأرض



الأقصر - ما أن تطأ قدماك البر الغربي لمدينة الأقصر التاريخية، بصعيد مصر، حتى يستوقفك تمثالان ضخمين ، يطلق عليهما اليوم، تمثالا ممنون، وهما كل ما بقى واقفا من معبد كان هو الأضخم بين المعابد المصرية القديمة، وهو المعبد الذى شيده الملك امنحتب الثالث، حيث كان معبده الضخم غنيا بالتماثيل الشاهقة ، والتماثيل الصغيرة، التي ابتلعتها الأرض ، إثر وقوع زلزال ربما وقع عام 27 قبل الميلاد.


الملك امنحتب الثالث
الملك امنحتب الثالث
وبعد مرور آلاف السنين، عاد معبد امنحتب الثالث ، الذى يعرف اليوم بـ " كوم الٌحِتًانٌ" ليبوح بالكثير من الأسرار، ويُخٌرِجُ تماثيله إلى سطح الأرض مجدداً، بعد أن ظلت حبيسة بين أكوام الطمى لقرون وقرون من الزمان... حيث تُعلن عالمة المصريات الألمانية الدكتور هوريج سورزيان رئيسة البعثة الاوروبية- المصرية العاملة بمشروع كشف وإحياء معبد الملك امنحتب الثالث، عن العثور على عشرات التماثيل والقطع الأثرية فى كل موسم عمل ، وذلك منذ العام 1998 وحتى اليوم.

البرنس : والملك امنحتب الثالث، كما يروى لنا المدير العام الأسبق لمنطقة آثار الأقصر ومصر العليا، الأثري المصري سلطان عيد، يعرف بين الأثريين بغسم الباشا، وكان يُلقًبُ بـ " برنس " الدولة الحديثة، فى مصر الفرعونية، وهو سليل الأسرة الثامنة عشرة، ووريث أكبر إمبراطورية فى التاريخ القديم، حيث كانت تمتد الإمبراطورية المصرية فى عصره، من الجندل الرابع جنوباً - شمال العاصمة السودانية الخرطوم حالياً - وحتى حدود تركيا وجبال طروس شمالاً، وحتى نهر الفرات شرقا، وبرقة الليبية غربا. أما الدويلات التي كانت مجاورة لإمبراطورية امنحتب الثالث، فكانت تدين بالولاء لسياسات أمنحتب وكان حكامها يدفعون الضرائب للإمبراطورية المصرية، خشية من بأس امنحتب الثالث. زلزال مدمر: ويضيف " سلطان عيد " بأن الملك امنحتب الثالث، أقام منشآت أثرية ضخمة، لا يزال كثير منها باقياً حتى اليوم، حيث أنشأ الصرح الثالث فى معابد الكرنك، شرق مدينة الأقصر، وكان يشكل واجهة المعبد وقت إنشائه، كما أقام أجزاء كبيرة من معبد الأقصر، المطل على نهر النيل الخالد، وأقام أضخم معبد جنائزي فى منطقة جبانة طيبة - غرب الأقصر الآن - وهو معبد يطلق عليه الأثريون اسم " كرنك البر الغربي " نسبة إلى ضخامته على غرار ضخامة معابد الكرنك فى شرق مدينة الأقصر. لكن هذا المعبد تعرض لهزة أرضية، تسببت فى تهدم معظم معالمه، وما يتم العثور عليه الآن من تماثيل ضخمة ، وآثار مختلفة الأحجام، تؤكد حجم ما كان يضمه ذلك المعبد من مبانٍ ومنشآت وتماثيل ضخمة. ويشير المدير العام الأسبق لمنطقة آثار الأقصر ومصر العليا، إلى أن امنحتب الثالث، أقام بجانب معبده الضخم المهدم، مقبرة ملكية له فى وادٍ يسمى وادى القرود، على أحد جوانب الطريق المؤدى لمنطقة وادى الملوك ، الغنية بمقابر ملوك الفراعنة، فى غرب الأقصر، كما كان الملك الوحيد، الذى أقام قصرا ملكيا له غرب الأقصر، ولا تزال بقايا ذلك القصر باقية إلى اليوم فى منطقة تسمى " الملقطة " قرب معابد هابو ووادي الملكات. كما أقام امنحتب الثالث أول واقدم و أكبر حمام سباحة، تنطبق عليه اشتراطات الحمامات الأوليمبية، جنوب جبانة طيبة فى غرب الأقصر، وربطه بنهر النيل الخالد، وتحديدا خلف جدران معابد هابو وذلك بجوار قصره، وكان يسمى " بركة هابو " وكان ذلك الحمام الضخم يبدأ من قرية الأقالته جنوبا، وحتى كوم البعيرات شمالا ، حيث تكَون كوم البعيرات من ناتج حفر الحمام الذى أقامه امنحتب خصيصا لزوجته الملكة " تى " . ويقول الباحث المصري ، فرنسيس أمين، أن أمنحتب الثالث الذي حكم مصر بين عامي 1417 و1379 قبل الميلاد - تقريبا - كان مهتما فى بداية حكمه بالصيد والقنص وممارسة الرياضات المختلفة ، وعرف بأنه كان صياداً عظيما، وقد عثر على نص نقش على ظهر جعران، بأن امنحتب الثالث تمكن من قنص مئة ثور برى فى إحدى رحلات الصيد التي كان يقوم بها، كما عثر على جعران آخر مكتوب عليه بأن امنحتب الثالث، تمكن من قتل مئة واثنين من الأسود فى رحلة صيد واحدة. شهريار الفراعنة:

كما عرف امنحتب باسم، شهريار الفراعنة، وكان داخل قصر حريمه قرابة 314 من النساء، اللاتي كُنَ يعرفن بالجواري، كما عرف بحبه للفنون والعلوم، وكان مقربا من كثيرين من مهندسي عصره، وتعد فترة حكمه، من أكثر العصور ازدهاراً في مصر القديمة، من الناحيتين الفنية والعلمية، بجانب انتشار الرخاء في عموم البلاد.

أما معبده في غرب مدينة الأقصر، والمعروف باسم كوم الحِتًان، بحسب قول فرنسيس أمين، فهو يواصل البوح بكثير من أسراره حتى اليوم، حيث تجاوزت التماثيل والقطع الأثرية المكتشفة به أكثر من مائة قطعة وتمثال .

تماثيل تزن مئات الأطنان:

وفى شهر شباط/ فبراير، من عام 2013، تم الاحتفال برفع تمثالين للملك أمنحتب الثالث من أرض زراعية يملكها مواطنون بمنطقة القرنة الأثرية غرب الأقصر وتم وضعهما فى ورشة لترميمهما وإعادتهما إلى موقعهما الأصلي فى المعبد حيث يبلغ طول كل منهما بقاعدته 18 مترا. وكان التمثالين قد سقطا - بحسب فرنسيس أمين - في زلزال وقع عام 27 قبل الميلاد واكتشفا عام 1933 ثم أعيد اكتشافهما عام 2010.

حيث جرى ترميمهما وإعادتهما إلى الحالة الأصلية بعد الاسترشاد بنقش نادر على ظهر أحد التمثالين ويوضح صورة التمثال واقفا.

وفى شهر آذار/مارس من العام 2013، تمكنت البعثة الأثرية الأوروبية - المصرية العاملة في معبد امنحتب الثالث غرب الأقصر برئاسة عالمة المصريات هوريج سوريزيان من الكشف عن 64 تمثالا جديدا للآلهة سخمت منحوتة من حجر الجرانيت الأسود، وتمثل الهة الحرب والضراوة في مصر القديمة في هيئة أثنى جالسة على العرش وبرأس أنثى الأسد ثم عثر على 14 تمثالاً آخر ، وهى في حالة جيدة من الحفظ ، حيث جرى نقل التماثيل المكتشفة الى المخازن المتحفية للحفاظ عليها وحمايتها. وفى شهر آذار/مارس من عام 2014، تم تجميع وترميم وتركيب ثلاثة تماثيل للملك امنحتب الثالث تمثالا يمثل الملك امنحتب الثالث جالسا ، وهو منحوت من حجر الكوارتزيت الأحمر ، وراس تمثال، وتمثال آخر أعيد جمعه وتركيبه ، خلف تمثالي ممنون الشهيرين غرب الأقصر.

ويبلغ وزن أحد التماثيل التي تم الانتهاء من جمعها وترميمها وتركيبها ،قرابة 110 طن ، وهو أحد تمثالين اللذين عثر عليهما بالجانب الشمالي لمعبد الملك امنحتب الثالث وتم رفعهما باستخدام رافعات عملاقة .

وفى شهر آذار/ مارس من عام 2015، تم رفع الستار عن تمثال جديد للملك امنحتب الثالث وزوجته الملكة " تى " وهو التمثال الذى أعيد تركيبه خلف تمثالي ممنون الشهيرين غرب مدينة الأقصر ، ليكون سادس تمثال يجرى جمعه وتركيبه بالمعبد.

وفى شهر شباط/ فبراير، من العام الجاري 2017، تم افتتاح العرض المتحفي لمجموعة من المكتشفات الأثرية الحديثة، التي عثرت عليها البعثة الأثرية الأوروبية - المصرية برئاسة الدكتورة هوريج سورزيان، خلال عملها بمشروع الحفاظ على تمثالي ممنون وكشف معالم معبد امنحتب الثالث في غرب مدينة الأقصر ، منذ عام 1998، وتمكنت البعثة طوال تلك الفترة من تحقيق عشرات الاكتشافات الأثرية واعادة تركيب كثير من التماثيل التي كانت في باطن الأرض.

وهى القطع التي اقيم لمجموعة منها عرض خاص بمتحف الأقصر التاريخي، وتضم قرابة 35 قطعة أثرية متنوعة، بينها تمثال ورأس تمثال من الجرانيت الأسود ، للملك امنحتب الثالث، والتمثال يمثل الملك امنحتب جالسا، والتمائم ، ومجموعات من التماثيل المجيبة ، المعروفة باسم " أوشابتى " وقطع من الفخار و الأوستراكا، التي تكشف نقوشها عن الكثير من الأسرار التي أحاطت بحياة الملك امنحتب الثالث، ومعبده الكبير في غرب مدينة الأقصر، الغنية بمقابر ومعابد ملوك وملكات ونبلاء مصر الفرعونية.

حجاج سلامة
الاحد 26 مارس 2017


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan