ازالة رمز بابلو اسكوبار أخطر مهرب مخدرات في كولومبيا



ميديين (كولومبيا) – تعتزم السلطات في مدينة ميديين الكولومبية، التي كانت في يوم من الأيام مسرحا للجريمة والعنف بسبب نشاط تجارة المخدرات، في هدم مبنى شامخ، يختلف عن أية بناية بالمدينة، إنه رمز عالم هذا النشاط الإجرامي، وأيقونة أحد أشهر رموزه، ومشيده مع أسرته، بابلو اسكوبار. وحتى عهد قريب كان المبنى أحد المقاصد السياحية بالمدينة حيث كان يستقبل زيارات الوفود السياحية التي كانت تريد التعرف عن قرب على تفاصيل حياة الزعيم الذي كان يتحكم في تجارة الكوكايين في العالم كله والذي اعتبرته الولايات المتحدة خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، عدو الشعب رقم واحد، وكتب عن أسطورته الحية، أديب نوبل الكولومبي جابرييل جارثيا ماركيز روايته الشهيرة "نبأ موت معلن".


مبنى موناكو في كولومبيا
مبنى موناكو في كولومبيا
إنه مبنى موناكو، وكان يعتبر درة تاج امبراطورية بابلو اسكوبار جابيريا، وهو مبنى قوي وحصن منيع للغاية، لدرجة أنه لم يهتز ولم يتضرر كثيرا حتى بعد أن فجر خصوم اسكوبار من كارتيل كالي للمخدرات أكثر من 80 كيلو جراما من مادة (تي إن تي) به، في محاولة فاشلة لاغتيال بارون تاجر المخدرات الأشهر. وكان اسكوبار، الذي لقى مصرعه في كانون أول/ ديسمبر من عام 1993 أثناء مطاردة الشرطة له، قد أمر بتشييد المبنى في مواجهة النادي البرجوازي العريق الذي منعه في يوم من الأيام من الدخول، وأصر على أن تكون شرفاته في مواجهته وتطل عليه مباشرة. ولكن اليوم المبنى ذوه الواجهة البيضاء المكون من سبعة طوابق أصبحت أيامه في الدنيا معدودة، بعد صدور قرار من بلدية ميديين ببدء هدمه في التاسع عشر من شهر شباط/ فبراير المقبل. في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) يقول عمدة ميديين فيدريكو جوتييريث "الرموز لها أهمية كبيرة في المجتمعات. الأمر يتجاوز عملية هدم أحد المباني، نحن سوف نهدم رمزا لواحدة من أسوأ الفترات التي عاشها مجتمعنا". ويضيف "شهدت كولومبيا في الشهور الثلاثة الأخيرة من عام 1989 تفجير أكثر من 100 قنبلة، غالبيتها في مدينة ميديين...الأضرار التي تسبب فيها العنف الناجم عن نشاط تهريب المخدرات لا يمكن إصلاحه". توضح الإدارة المحلية أن المدينة بها العديد من مكاتب وكالات السياحة، تقدم أثناء الجولات روايات مختلفة، عن أحداث مشكوك في صحتها، عن ما جرى خلال تلك الفترة، وتختتم جميع الروايات باقتراح، أنه من الأفضل هدم مبنى موناكو وإقامة مكانه نصب تذكاري تكريما لضحايا عنف المخدرات. حيث يقول المرشدون السياحيون إن هذا يعني أننا نوضح للسائحين كيف استعادت المدينة أمنها بعد التعافي من العنف، وأن ما نرويه عن اسكوبار ليس تمجيدا له، بل نحكي فصلا عصيبا من تاريخ المدينة. ولكن لا يوجد إجماع بين شركات السياحة على هذه الرؤية. من جانبه يوضح مانويل بييا، أمين عام البلدية أن "الدولة تحمست لهدم المبنى تعاطفا مع الروايات التي يحكيها المرشدون السياحيون في جولاتهم والتي تصر على إبراز دور الضحايا في الصراع". في تصريحات له من أمام مبنى موناكو قال بييا "الناس تشعر بإثارة كبيرة عندما تزور معقل كارتيل ميديين لتجارة المخدرات، حيث كان يدير اسكوبار نشاطه. نحن لا نتحدث هنا عن إغفال التاريخ، بل نحتاج لتذكير الناس، ولبناء ذاكرة تاريخية. كل المدن التي عانت من فصول مأسوية تفعل ذلك، على سبيل المثال، نيويورك بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر. ليس لدينا هنا شيء مماثل". كما يرى أن إقامة النصب التذكاري، يعد نوعا من تصحيح مسار التاريخ، وتقديم رواية رسمية لآلاف السياح الذين يزورون ميديين، ثاني أهم مدن كولومبيا، معتبرا أن هدم المبنى اقتصادي أكثر بكثير من ترميمه أو حتى تحويله إلى متحف. كما يضيف "ترميم المبنى فقط يتكلف 10 ملايين دولار (33 مليار بيزو)، بخلاف تكلفة التجهيزات المتحفية، والتي قد تصل إلى 15 مليون دولار ما يعادل 50 مليار بيزو، فيما لن تتجاوز تكلفة هدمه مليونين ونصف المليون دولار. ومع ذلك يؤكد أحد المرشدين أنه يعارض عملية هدم المبنى، مشيرا إلى أن تكلفة الهدم قد ترتفع إلى ستة مليارات بيزو. يحكي المرشد مانويل جارسيس لمجموعة من السائحين قائلا "كان الكابو، أو الزعيم يعيش في الدور الرابع، وينسب إليه قتل أكثر من 4000 شخص، وقد أمر ببناء المنزل في الثمانينيات وكان وقتها أكبر وافخم مبنى شيد لشخص في تاريخ كولومبيا"، مضيفا بحماس كبير"مبنى الكولسيوم الروماني في إيطاليا ارتبط بمختلف أنواع الجرائم والأحداث العنيفة، فهل يقومون بهدمه؟ لا، هذا جزء من التاريخ، من ذاكرة الناس، سيكون من السهل تعويض تكلفة إعادة ترميمه من عائدات السياحة. أنا أؤكد لك. هناك من هم على استعداد لدفع الملايين لكي يروا هذا". وهذا البناء له سحره الخاص، حيث تظهر الأسطح الساقطة شبكة من القضبان التي تعزز مقاومة المكان، كما لو كان حصنا عسكريا بالكامل، والجدران وبعض المساحات مغطاة تماما بقصاصات صحف تلك الفترة، لأنه لم يكن هناك جص، وبجانب غرفة إسكوبار المحصنة، كان يوجد قبو يتسع لتخبئة عدة أطنان من النقود. وفي الطابق السفلي، توجد غرفة مستوحاة من أسوأ أفلام الرعب، حيث يعتقد أنها تستخدم لممارسة عمليات التعذيب. هناك شخص آخر لا يتفق مع عملية الهدم، إنه شقيق بابلو اسكوبار، الشهير بلقب (الأوسيتو) أو "الدبدوب"، والذي حول بالفعل منزله إلى متحف بالفعل وأصبح يستقبل زيارات سياحية، حيث يحكي روايته الخاصة عن تلك القصة العجيبة. ويقول "لا أوافق على تسوية 60 مليار بيزو (6ر18 مليون دولار) بالأرض، يمكن تحويل المبنى إلى مركز أبحاث، مدرسة أو مستشفى، يمكن عمل أشياء كثيرة بدون تدمير". من جانبه يرى العمدة جوتييريث أن تجارة المخدرات تحولت في تلك الفترة إلى ظاهرة طالت الجميع في البلاد، وفي ميديين كانوا يبيعون قمصانا مطبوع عليها صورة بابلو اسكوبار على هيئة سوبرمان"، ومن ثم يعتبر أن هدم المبنى، يبعث برسالة قوية ترد على رواية المافيا التي كانت تعتبر اسكوبار بطلا. يؤكد جوتييرث أن "النصب التذكاري سوف يحكي قصة عنف تجارة المخدرات خلال تلك الفترة، مبرزا دور من كافحوا تلك الآفة، الأبطال الحقيقيين الذين يجب أن يكونوا القدوة والمثل للأجيال الجديدة". وهكذا فإنه بحلول التاسع عشر من شباط/ فبراير المقبل سوف يتم هدم المبنى وهو حدث سينظر إليه البعض بسعادة، والبعض الآخر بحسرة وألم.

جيوزيبي بالاثينو
الاربعاء 2 يناير 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث