عيون المقالات

لحظات تاريخية من تحرير كلية المشاة

27/09/2021 - العقيد عبد الجبار عكيدي

أوهام إطاحة الائتلاف

26/09/2021 - جديع دواره

الانسداد السوري وإمكانية الحل

26/09/2021 - عبد الباسط سيدا

الطبل في إدلب والعرس شرق الفرات

19/09/2021 - باسل المعراوي


الحرامية... هكذا عشت صيف 2021 في لبنان





صحوت بعدما قضيت شهرين كاملين في ربوع لبنان على صوت: "الحرامية"، متبوعاً بـ"كلك"، وكأنه بداية تصوير لفيلم سينمائي.. كعادتي عندما أستيقظ على صوت، أو صورة، أو حلم صباحي، أتوقف عنده وأسأل نفسي عن مغزى النداء الداخلي لهذا العقل الباطن..


ما معنى هذه الومضة من حلم صباحي جاءني بعدما سألتني إحدى الصديقات: لماذا لا تكتبين انطباعات عن زيارتك للبنان؟ قلت لها: كلما فكرت بالكتابة، أشعر بشيء يشابه الاشمئزاز أو ربما الخوف من أن تتحول الكتابة الى شكل من أشكال الغضب الداخلي أو الشتيمة لكل من يسرق وينهب وينهش من لحم هذا الشعب المكافح. أو أنها ستتحول الى شكل من أشكال الأسى على ضياع ثورة شعبية واعدة ونموذجية حولتها "شبيحة" المنظمات الإرهابية على أرض هذا الوطن الى أشباه أشباح منثورة للهباء. اختفى معظم هذا الشباب الواعد، والصوت الحالم بمستقبل أفضل لأوطانهم. تحولوا ومن دون سابق حلم أو أمل إلى مهاجرين ومهجرين داخل صقيع ذواتهم الحزينة والمنهارة نفسياً. أو وجدوا أنفسهم في أوطان غريبة عن أرض ولدوا وفطروا على عشقها. إذ تشير تقارير الهجرة الى أن 77% من الشباب اللبناني يسعى الى الهجرة، أولاً لفقدان الوظائف والفرص الحياتية، وثانياً لفقدان مقومات الحياة الأساسية من ماء وكهرباء ووقود للسيارات ووسائل النقل. فاللبناني يكبر محباً لوطن عصي على المنال. يمضي حياته في الكفاح للحفاظ على هذا الرابط المقدس لأرض الحب الأول. اللبنانيون كشعب، ولأسباب عديدة، أحبوا وطنهم بعمق وهتفوا له بصدق والكثير من العفوية. لكن حتى الحب العميق والجارف يحتاج مقومات للحياة والاستمرارية وإلا أخذ شكلاً من أشكال الحب العذري والهيام دون وصال. فيا أيتها الصديقة العزيزة، ماذا عساني أكتب عن زيارة جئتها على الكثير من الحذر والتخوف لتمضية شيء من الوقت مع والدتي التسعينية التي أقعدتها جدران منزل بيروتي طوال سنوات كورونا، لا ترى سوى صمودها الداخلي وروحها المحبة للحياة، ومن بقي من أبنائها لمراعاتها؟ كنت أريدها أن تتنشق الهواء العليل فأخذتها إلى بيتي الجبلي حيث الظروف لا تزال تسمح لسكان هذه المنطقة بالحصول على حياة مقبولة نسبياً. وكان للجبل سحره علينا. فتحولت الأيام إلى أسابيع وثم أشهر. وكانت هذه أول مرة منذ سنوات أمضي الصيف بأكمله في لبنان. انغمست برعاية والدتي والسير في الجبال، وعدم استخدام السيارة إلا عند الضرورات القصوى. في جبال لبنان استطعت العيش وعائلتي الصغيرة بعيداً عن الأزمات السياسية الطاحنة، ما فجّر في أعماقي الكثير من التأملات حول غرائب هذا الوطن وسحره الذي لا يمكنه أن ينطفئ. فهذه الأرض ثروة، واللبناني شامخ مهما ذلّه الزمان وأصحاب السياسة والمتاجرين بالأديان. فيا صديقتي، لولا حلمي الصباحي ونداء الصوت العميق "حرامية" لما سعيت للتعبير عن شيء من انطباعاتي المتناقضة ذهنياً، والمتألمة حسياً، والمنغمسة وجدانياً في حالة أشبه بالعشق لتفاصيل الكينونة التي شكلت هذه البقعة من العالم وميزتها بشيء من أبهى التكوين. كنت أمشي وسط أشجار السنديان والبلوط والشوك والعليق والصخور الجبلية المتناثرة صعوداً وهبوطاً، أتسلق بعضها وأسكن لبعضها الآخر. أراقصها، وتحاكيني بشحذ كياني برعشات من الحيوية لم أكن لأعرفها من قبل. ولا يمكن معرفتها وأنا في المدينة وسط المباني الإسمنتية. كنت أشتَمّ رائحة "القصعين/الميرامية" والطيّون وأشرد مع صوت فيروز. كان عشقي يحاكي في عمقه الطوالع والنوازل التي شكلت المغاور الساكنة وسط سلسلة الجبال التي مشيت في ظلالها ونواحيها. وكان فعل السير ينعكس في أعماقي تدفقاً وكأننا جُبِلنا واحداً أحداً. وفي العمق كانت هناك مغارة جعيتا. هذه التحفة التشكيلية التي بهرتني وأنا طفلة، وأثارت كل فضولي العقلي لفهم هذه الجغرافيا الطبيعية. واليوم أرى هذه المغارة تنعكس في أعماقي كنوع من مرايا لطوالع الذات ونوازلها. قوة الحب والأمل وسط كل بحار التناقضات والمآسي في لبنان؛ كانت اللوحة التي لوّنت رحلتي الصيفية إلى الوطن. من الفقر والحرمان إلى الذل والإذلال كانت الصور الخارجية التي كنت أراها وأسمع حكاياها بين الناس والجيران. فالحرامية يا صديقتي، أصبحوا في لبنان اليوم كما الطوالع والنوازل لمغارة جعيتا. والفرق أنهم حوّلوا ماء الحياة الذي يسري في حب الوطن، إلى سائل ملوث بالمصالح والانتهازيات. حوّلوا السائل الحيوي للطائفة التي أتاحت في يوم من الأيام لصيغة وطن أن تبنى وسط تعددية متشاركة ومتصالحة، إلى طائفية الإقصاء والإلغاء للآخر، وبالتالي دفع كل الطوائف إلى أن تتعسكر. كأن اللبناني الذي رفض الصراع الأهلي للأحزاب بعد عشرين سنة من الحرب الأهلية، يعاد تأجيجه اليوم بالطائفية الإقصائية كي يتسلح ويقاتل من جديد. حرامية لبنان كما عايشتهم في صيف 2021 لا يسرقون المال والحلال فقط. إنهم يسرقون العقول المفكرة، إما بإقصائها، أو تصفيتها جسدياً، أو بغسل عقولها بالتحليلات المضللة، ونشر الأحقاد والظلامية والكراهية. ما زلت أذكر عندما كنت أجلس في صيف 2014 في مقهى "كاسبر أند غامبيني" في فندق "الدونز" في فردان قرب منزل الأهل في بيروت. كنت سعيدة بلقاء الأصدقاء. كان الشارع يضج بالحركة والناس والحيوية، وإذ بمجموعة من الشباب على الدراجات "الموترسايكل" يصرخون بأعلى صوتهم "نحن... ال..." ويرددون اسم طائفة معينة. ذعرت يومها. سألت من بقربي عن تفسير. فقيل لي إنهم يستعملون أساليب التنمر والتخويف. هي موضة نشر "الزعرنة" في الشوارع. اليوم أستعيد تلك الظواهر والصور التي ازدادت انتشاراً كما لاحظتها تزداد مع كل زيارة للبنان منذ 2006... هذه الأفعال وغيرها من تخويف وترهيب الشباب والشابات أثناء الثورة وبعدها، كل ذلك يفسر هروبهم خوفاً على عقولهم ومستقبلهم من السموم المنتشرة في الجامعات والثانويات. سمعتهم يشكون من محاولات الضغط عليهم في الجامعة للانتماء الحزبي إذا أرادوا فرصاً أكبر للنجاح. وذات مرة، سألت إحدى الصديقات المسيحيات من أساتذة الجامعة اللبنانية: أنتم كمسيحيي لبنان ساهمتم بصيغة في بناء لبنان الأمس، فما بالكم اليوم؟ الى أين أنتم سائرون؟ فردت قائلة: نحو ارتداء الشادور... هكذا يا صديقتي عشت صيف لبنان 2021. ---------- النهار العربي

د. ريما صبّان
الجمعة 3 سبتمبر 2021