نظرا للصعوبات الاقتصادية التي رافقت الجائحة وأعقبتها اضطررنا لإيقاف أقسام اللغات الأجنبية على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

( استحقاق الاعتراف بفشل جنيف )

25/10/2021 - إبراهيم الجبين

أولويات الدول وتطلعات السوريين

23/10/2021 - عبد الباسط سيدا

معوقات العملية التركية في سوريا

19/10/2021 - العقيد عبد الجبار العكيدي

( شتاء قارس ينتظر أردوغان )

18/10/2021 - هشام ملحم

”إصلاح دستوريّ“ أم “دستور جديد“؟

18/10/2021 - إبراهيم الجبين


السماح بعودة رفعت الأسد.. "مكرمة" من بشار الأسد أم تواطؤ جهات دولية




ليس لعودة رفعت الأسد إلى سوريا أية أهمية، إذا أردنا قراءتها من زاوية انعكاسها على مجريات الحدث السوري، فهو غير قادر على الفعل من أي وجهة، ناهيك عن أن الحدث السوري أصبح كما هو معروف ملفاً بيد الآخرين، وإن كان هناك من يظن أن عودته قد تعيد ترتيب بعض التناقضات داخل العائلة، أو الطائفة، فإن هذه الإمكانية قد تضاءلت كثيراً بعد تطورات الوضع السوري داخلياً وخارجياً، وبعد غياب رفعت الأسد الطويل عن سوريا.


 

باختصار، إن هذه العودة ليست أكثر من صفقة بين عدة أطراف، لتجنيبه السجن الفعلي في السجون الأوروبية، ولطمس حقائق قد تشكل في حال إخراجها للعلن، فضيحة أخلاقية كبرى يصعب ضبط ردود الفعل عليها، خصوصاً بما يتعلق بفتح ملف جرائمه ضد الإنسانية، وتحديداً فيما يتعلق بمجزرة حماة، والتي كان له دور كبير فيها، وأيضاً لطمس جرائم فساد قد تطول جهات فاعلة داخل هذه الدول.

لكن هذه العودة تحمل دلالات مهمة من زاوية أخرى، فهي تمت بموافقة أطراف دولية عليها، وفي مقدمتها دول أوروبية مثل فرنسا وإسبانيا وسويسرا، وليس للنظام السوري أن يقرر وحده في أمر كهذا، فهو أعجز من أن يتحمل تبعات عودته لولا هذه الموافقة الدولية، ولا سيما أنه _ أي النظام _ متهم بجرائم كثيرة، وليس له أي مصلحة في إيواء متهم بجريمة ضد الإنسانية، ومن عائلة الأسد تحديداً، بوصفها العائلة المتهمة بعشرات الجرائم.

هذه الجرائم لا تقرأ بدلالة القانون الدولي، ولا بدلالة الحق، ولا بدلالة حقوق الإنسان والمواثيق الدولية والمعاهدات المتعلقة بها، بل تقرأ فقط بدلالة مصلحة هذه الدول، مهما بلغت بشاعة وفظاعة هذه الجرائم

في دلالة الموافقة الدولية على عودته، والتواطؤ المفضوح لطي ملف جرائمه، ثمة مؤشر بالغ الأهمية، لفهم تعاطي المجتمع الدولي في موضوع الجرائم المرتكبة بحق الشعوب المستضعفة، فهذه الجرائم لا تقرأ بدلالة القانون الدولي، ولا بدلالة الحق، ولا بدلالة حقوق الإنسان والمواثيق الدولية والمعاهدات المتعلقة بها، بل تقرأ فقط بدلالة مصلحة هذه الدول، مهما بلغت بشاعة وفظاعة هذه الجرائم.

قد يقودنا هذا إلى استنتاج صادم، ويتعلق بمدى إمكانية محاكمة نظام الأسد، وفي مقدمته رأس النظام بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، وكلاهما تستطيع جهات دولية عدة تقديم عشرات آلاف الوثائق التي تدينهما بجرائم إبادة، وجرائم استعمال أسلحة محرمة دولياً، وعشرات الجرائم الأخرى.

ثمة مؤشر آخر لا يقل أهمية، وهو كيف برر النظام السماح لرفعت الأسد بالعودة، ولا أقصد هنا تبريره أمام المجتمع الدولي، بل أقصد تبريره لهذه العودة أمام المجتمع السوري، ولا سيما أن لرفعت الأسد حضوراً بشعاً في ذاكرة السوريين، فقد جاء تبريره لينسف تماماً معنى الدولة ومؤسساتها، ومعنى أن تكون هناك جهات متخصصة في الدولة هي من يحق لها أن تبت في القضايا التي هي من اختصاصها، إذ لم يصدر قرار الموافقة على العودة من جهة قضائية، أو من البرلمان، بل جاء من شخص الرئيس وبمكرمة منه، من دون أي اهتمام للمظاهر الكاذبة التي ترافق عادة قرارات كهذا.

من النافل القول إن النظام ليس مهتماً أبداً برأي السوريين حول هذا الأمر، وهو قادر على حشد مسيرة ضخمة تعتبر قراره هذا قمة الحكمة والترفع والإنسانية، لكن رسالته التي أراد إيصالها هي أنه وحده من يقرر عودة السوريين، وصيغتها، وشروطها، وبالتالي فإن على السوريين الآخرين أن يبحثوا عن صيغ مشابهة، ورغم كل الحماقة في هذه الرسالة، ومدى عبثيتها، فإنها وجدت بين السوريين في الداخل والخارج من يتبناها ويتشدق بها.

في استراتيجياته العشر للتحكم بالشعوب، يحدثنا المفكر "نعوم تشومسكي" عن آليات صناعة المجتمع المذعن، وفي هذه الاستراتيجيات يمكننا أن نقرأ جيدا كيف تحوّل الجمهور السوري وتحديداً الموالي للنظام إلى جمهور غارق في العاطفة، وغير قادر على إشغال الفكر في ما يتعرض له، أي منع التحليل العقلاني للأحداث، وغياب الحس النقدي للأفراد، الأمر الذي يتيح دائماً للجهة الحاكمة أن تمرر ما تشاء، ليس هذا فحسب، بل يتيح لها أيضاً أن تستخدم المخزون العاطفي لهذا الجمهور للتحكم بلا وعيه، وغرس الأفكار، والرغبات، والمخاوف والميولات وصولا إلى السلوكيات.

في صناعة الإذعان كسمة عامة لجمهور ما، تطبق الأنظمة الديكتاتورية مع شعوبها المنهجية ذاتها، التي تطبقها الأطراف الدولية الكبرى مع هذه الأنظمة، والركيزة الأساسية التي تعتمدها استراتيجيات السيطرة، والهيمنة لهذه الأطراف الدولية المتحكمة، هي في خلق أنظمة غير شرعية، ومعادية لشعوبها، الأمر الذي يسهل جداً من جعلها جهات مذعنة لهذه الأطراف الدولية، وعلى نفس المبدأ فإن الأنظمة الديكتاتورية تقوم بسحب حق منح الشرعية من شعوبها، وتخلق بدائل عنها، أحزاب شكلية، ونقابات تابعة، وبرلمانات مصنعة، مما يوصلنا إلى حالة لا يجد فيها الجمهور المذعن ما يدفعه لقراءة وفهم ما تفعله الأنظمة، وينحصر دوره فقط في التصفيق لكل ما تفعله.

الأخطر من كل هذا، وهو أيضاً من ضمن الاستراتيجيات العشر لـ"تشومسكي" نجد دفع الأفراد المتمردين الرافضين للإذعان إلى الشعور بالذنب، وجعلهم يشعرون أنهم المسؤولون الوحيدون عن الشقاء أو البؤس الذي يعيشونه أو يعيشه من حولهم، وهذا ما يفعله نظام الأسد عبر إيهام السوريين أن كل هذه الكارثة التي عصفت بسوريا، إنّما يتحمل مسؤوليتها أولاً من ثاروا عليه.

ليس لأحد من الأطراف الدولية مصلحة في وجود أنظمة حكم ديمقراطية في منطقتنا، والتي وصفها "أيزنهاور" بأنها (المنطقة الأهم في العالم على الصعيد الاستراتيجي)

باختصار شديد، إن اشتغال أميركا ومعها دول النهب العالمي الأخرى لإيصال الشخصيات المذعنة إلى مواقع القرار، والدفاع عن الأنظمة المذعنة، هو استراتيجية أساسية في صناعة التبعية واستدامتها، وهو حجر الأساس في ترتيب الصراعات حول العالم، وبالتالي فإن كسر هذه الحلقة من إنتاج التبعية والإذعان، يتطلب من جملة متطلبات أخرى الاشتغال على صناعة الفرد غير المذعن، وغير العاطفي، والقادر على إشغال حسه النقدي.

ليس لأحد من الأطراف الدولية مصلحة في وجود أنظمة حكم ديمقراطية في منطقتنا، والتي وصفها "أيزنهاور" بأنها (المنطقة الأهم في العالم على الصعيد الاستراتيجي)، ومن يقرأ تفاصيل السنوات العشر الأخيرة، سيرى كيف تكالبت أطراف كثيرة لمنع هذه الشعوب من الخطو خطوة واحدة باتجاه امتلاكها لقرارها.

في عودة رجل لا أهمية له مثل رفعت الأسد، ثمة رسالة وحيدة، إنّها باختصار تعزيز ثقافة الإذعان، سواء داخل بنية النظام نفسه، أو في المجتمع السوري، فمن يؤيد عودته سيقتنع أكثر بأن الإذعان هو الاتجاه الوحيد للعلاقة مع هذا النظام، ومن يرفض سيضطر للصمت مذعناً.
-----------
تلفزيون سوريا


بسام يوسف
الثلاثاء 12 أكتوبر 2021