تدريب عسكري ووساطة دينيّة يقدمهما قديروف للتوسع الروسي





يُقدّم نفسه كشخصيّة إسلاميّة رائدة، يستضيف مؤتمرات دينيّة دوليّة، يُبرم اتفاقيات تعاون أمني وتدريب عسكري مع أنظمة عربيّة، يتدخّل بوساطة سياسيّة هنا وبمساعدات عسكريّة واجتماعية هناك… بموازاة ذلك، يُبدي حرصاً بالغاً على أن يكون مُفيداً للكرملين، وبشكل خاص للرئيس فلاديمير بوتين، بينما يوحي بأن له "لعبته الخاصة" التي تجعله شريكاً لا يُمكن الاستغناء عنه حتى وإن كان وجوده مرتبطاً بالرضى الروسي عنه.




قديروف مع ملك البحرين
قديروف مع ملك البحرين
هو رمضان قديروف… رئيس جمهورية الشيشان، إحدى جمهوريات روسيا الاتحاديّة، حيث يعيش حوالي المليون ونصف المليون، غالبيّتهم من المسلمين. الرجل الذي بدأ التدرّج بالحكم في عمر مبكر (27 عاماً)، بدعم من الرئيس الروسي الصاعد آنذاك، بعد اغتيال والده أحمد قديروف عام 2004، كان قد انتقل من خانة الجهاد الإسلامي للانفصال عن روسيا إلى الوقوف مع الأخيرة في حربها ضد الجماعات الإسلاميّة في الشيشان.
بتمكّنه من ضبط النزعات الانفصاليّة في بلاده، تحوّل قديروف إلى رجل بوتين في الشيشان وعموم القوقاز الروسي، وبشخصيّته المُثيرة للجدل كان مُرشّحاً بارزاً للعب أدوار خارجيّة عديدة أتت مُوازية للتوسّع الروسي في الشرق الأوسط.
 

"الكرملين صديق المسلمين"... بواسطة قديروف

عادة ما يتم التركيز على عاملَيْ العسكر والاقتصاد عند الحديث عن الوجود الروسي في الشرق الأوسط، بينما ما لم يُلاحظه كثر سابقاً هو العامل الديني، وتحديداً سعي موسكو للترويج لـ"إسلام مُسالم سياسياً" بموازاة مكافحة حركات التطرّف.
في الأشهر القليلة الماضية، شغل رمضان قديروف العديد من مراكز الأبحاث باعتباره "وسيطاً" لبوتين في عمليّة الترويج تلك، التي سعت لتقديم روسيا كبديل أكثر قرباً من الثقافة العربية والإسلامية مقارنة بواشنطن التي مُنيت بالفشل.
 
في مقالة له في "أتلانتك" قبل شهر، لفت الباحث حسن حسن إلى أن "اهتمامات روسيا الإسلامية تدفعها عدة عوامل، الأول منها المخاوف المحلية، حيث يُشكّل المسلمون حوالي 15% من الروس، علماً أن موسكو قد انخرطت في حربين دينيتين وقوميتين في إقليم القوقاز الشمالي حيث الأغلبية المسلمة… وقد زادت مخاوفها مع الدور الذي لعبه الجهاديون من شمال القوقاز في (القاعدة) و(تنظيم الدولة الإسلامية) في سوريا".
 
ومن الأمثلة على دور قديروف، في هذا الإطار، يبرز المؤتمر الإسلامي العالمي الذي استضافته العاصمة الشيشانيّة غروزني عام 2016، والذي ضمّ أكثر من 100 شخصية دينية من 30 بلداً، كان قد دعا قديروف لعقده شخصياً، وساهم في تنظيمه رجال دين مُقرّبين من مصر والإمارات.
 
حينها، شدّد الحاضرون على رفض الإسلام بشقه الأصولي، ما اعتُبر رسالة للسعودية، لكن الأخيرة التي كانت تحظى بعلاقات جيدة مع روسيا ناقشت الأمر في اجتماع بين بوتين والملك سلمان بن عبد العزيز عام 2017، ثم عادت واستضافت قديروف لاحقاً في ذلك العام.
 
استُقبل الزعيم الشيشاني بحفاوة بالغة، حدّ السماح له بدخول الحجرة التي تحتوي قبر النبي محمد، والتي لا تُفتح إلا للزوار شديدي الخصوصيّة حتى سُمح له كذلك بممارسة طقوسه الصوفيّة (يُقدّم قديروف نفسه كنموذج صوفي) في الحجرة.
أقوال جاهزة
شارك غرديُقدّم نفسه كشخصيّة إسلاميّة رائدة، يستضيف مؤتمرات دينيّة دوليّة، يُبرم اتفاقيات تعاون أمني وتدريب عسكري مع أنظمة عربيّة، يتدخّل بوساطة سياسيّة هنا وبمساعدات عسكريّة واجتماعية هناك…عن الزعيم الشيشاني ودوره المتنامي في الشرق الأوسط
شارك غردفي الشق الديني، يبدو رمضان قديروف مفيداً لروسيا من ناحيتين. تجميل صورتها كطرف معادٍ للإسلام وتحديداً بعد غزو أفغانستان، وكسب ود الإسلام السني في ظلّ تحالفها مع الطرف الشيعي الأبرز
 
 
في الشقّ الديني إذاً، يبدو قديروف -بمسبحته المتدليّة على عنقه وسجله في فرض الحجاب وقمع المثليين ونصرة المسلمين حول العالم والأهم في رفضه للتطرّف- مُفيداً لروسيا من ناحيتين.
الأولى، في تجميل صورتها كطرف معادٍ للإسلام والتي تكرّست خصوصاً بعد غزو أفغانستان، والثانية في كسب ودّ الإسلام السنّي لا سيّما في ظلّ تحالفها مع الطرف الشيعي في المنطقة (إيران وحلفائها).
في سوريا بالتحديد، برز الشيشان كقناة أساسية للقوة الروسية الناعمة. وعلى مدى الأعوام الماضية، رصد الباحث نيل هاور جهود موسكو لإعلاء مكانتها في عيون المجتمع المسلم في سوريا، ومنها عام 2016، حين أعلنت مؤسسة أحمد قديروف توزيعها 120 طناً من المواد الغذائية في كافة أرجاء سوريا، بالتزامن مع شهر رمضان.
كما أعلنت المؤسسة عن تنظيم حملة لجمع التبرعات للاجئين السوريين، وعن نيتها بناء مركز استشفائي لهم، لتتواصل كذلك المعونات الشيشانية على مدى عام 2017.
وزارت مرجعيات دينية سورية غروزني عدة مرات عام 2017، كما زار المفتي الشيشاني صلاح حاج مجياف سوريا مطلع عام 2018، حيث التقى محافظ حلب وشخصيات دينية بينما كان يتجوّل في أرجاء المسجد الأموي حيث تجري إعادة البناء بتمويل من الشيشان.
وسط ذلك، انتشرت صور لـ"جنود روس يصلون في الشوارع"، وسط الحديث عن قبول شعبي يحظون به أكثر من عناصر الجماعات الموالية لإيران.
 
يُضاف إلى ما سبق، تسويق روسيا لتجربة قديروف الداخليّة في مواجهة التمرّد الإسلامي المتطرّف، ما يجعله قريباً من أطراف متناقضة في المنطقة، إذ يُصبح قادراً على نشر الشرطة الشيشانيّة في سوريا بموازاة وعده بإعادة إعمار مساجد حلب وحمص، بينما تربطه علاقات جيدة بالسعودية والإمارات والبحرين. وإلى جانب الدور الديني، حجز قديروف لنفسه مكاناً في الجوانب الأخرى العسكريّة والاقتصاديّة، التي تتقاطع ثلاثتها مع بعضها البعض.
 

قديروف والدول العربيّة… علاقات تتعمّق 

في السنوات الأخيرة، قام الزعيم الشيشاني بتكوين صداقات وثيقة مع ولي عهد أبو ظبي الأمير محمد بن زايد، وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان، مع أمراء العائلة المالكة في البحرين ومسؤولين بارزين في الأردن (حيث درس والد رمضان وحيث يوجد الكثير من الشيشان منهم مقرّبين من الملك)، وهي علاقات مرشّحة لأن تُصبح أكثر عمقاً.
 
كشف تقرير حديث نشرته مجلة "فورين آفيرز" في عدد فبراير، عن افتتاح الشيشان خلال الصيف المقبل لـ"سباتنز" وهي واحدة من أكبر مدارس تدريب القوات الخاصة في العالم، والتي ستُشرف عليها بالكامل القوات الشيشانيّة بدل القوات المسلحة الروسية. وتنوي كل من البحرين والأردن والسعودية والإمارات بدء تدريب قوات النخبة لمكافحة الإرهاب في المنشأة الشيشانيّة.
 
وكانت تقارير عديدة تابعت اهتمام الزعيم الشيشاني المتزايد بالشرق الأوسط. ومن بين دوله الإمارات التي حضرت في الأخبار عند الحديث عن بنائها لفندق خمسة نجوم في غروزني العام الماضي، والذي استضاف فريق كرة القدم المصري "المسلم الذي يقوم بالسجود بعد كل هدف" (حسب وصف قديروف) تحضيراً لمباريات كأس العالم.
 
كما أدى انتعاش العلاقات مع بن زايد إلى إنشاء صندوق زايد في غروزني لدعم الأعمال التجارية المحلية، وكان أول مشروع عربي - روسي من نوعه، وفي أبريل دشنت شركة "آريبيا" في الشارقة أول خط مباشر بين غروزني والإمارات العربية المتحدة...
 
وكانت مجلة "defense post" تحدثت عن المنشأة العسكرية الشيشانية "سباتنز" وعن الدور الذي ستلعبه في التدريب، مستفيدة من خبرات القوات الشيشانيّة العسكرية والتكتيكيّة، التي تطورت نتيجة حروب الشيشان السابقة وتعززت بشكل خاص بعد الحرب السورية.
 
كما لفتت المجلة إلى مدى التشابه بين حكم الزعيم الشيشاني وحكم العديد من الدول الخليجية، القائم على صورة الرجل القوي والدين الإسلامي والقبضة الأمنيّة والنظام الديكتاتوري، ما يجعل الطرفين أكثر قرباً
 
وتحدثت كذلك عن زيارة قديروف للسعودية لأداء فريضة الحج ولقائه بمحمد بن سلمان العام الماضي، فضلاً عن زيارته للبحرين ولقائه بالأمير ناصر بن حمد آل خليفة وزيارته القاعدة العسكرية هناك للاطلاع على التدريبات.
 
من جهة أخرى، أعلن قديروف مؤخراً عن استعداده لزيارة الرئيس السوري بشار الأسد في وقت قريب من العام 2019، من دون الحديث عن موعد محدّد، في وقت يزداد فيه الاهتمام بإعادة إعمار سوريا، مع التأكيد على ضمان علاقاته الجيّدة مع الدول الخليجيّة. 
 
وعند الحديث عن الدور الشيشاني، يبرز كذلك الملف الليبي. قبل أشهر قليلة، قال قديروف إنه "مستعد لمشاركة تجربة الشيشان في مكافحة الصراعات الداخلية، والتي أنقذت شعب الشيشان في وقت ما من الدمار الكامل، مع القوى الليبيّة".
 
وتتحدث التقارير عن "المهام الدبلوماسيّة الخفيّة" للشيشان هناك، كما نشط الحديث في العامين الماضيين عن وساطة شيشانيّة في ليبيا، وعن لقاءات مع المُشير خليفة حفتر، وإن كان الدور الشيشاني فيها أضيق نطاقاً مقارنة به في دول عربيّة أخرى.
 
يقول قديروف إنه مستعد لوهب حياته لبوتين، بينما لم يتوانَ الأخير عن تشجيع الزعيم الشيشاني على متابعة طموحاته الشخصيّة، ليظهر أن الاثنين بحاجة لبعضهما البعض، في القوقاز كما في الشرق الأوسط. تتداخل مصالحهما أحياناً وتتوازى أحياناً أخرى، وفي معظمها لصالح التوسّع الروسي، الذي يصبّ بدوره في خدمة الزعيم الشيشاني ذي الـ42 عاماً الشهير إعلامياً بلحيته الكستنائية وطباعه "المتقلبة والغريبة"
----------
رصيف ٢٢

هيفاء زعيتر
الاحد 10 فبراير 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث