كتاب أسباني يكشف علاقة أهم مستعرب بعميد الأدب العربي طه حسين




القاهرة - نشرت الأكاديمية الملكية الإسبانية للتاريخ كتاب "رحلة مصر وسوريا وفلسطين، 1927-1928، الرسائل المتبادلة بين إيمليو جارثيا جوميث وميجل آسين بالاثيوس"، وهو عبارة عن مجموعة من الرسائل كتبها المستعرب الإسباني الشهير إيميليو جارثيا جوميث لأستاذه رائد علم الاستشراق المتبحر في علوم الفلسفة والتصوف الإسلامي ميجل آسين بالاثيوس بمناسبة مرور سبعين عاما على هذه الرحلة الأولى لجوميث إلى الشرق، والتي تلتها رحلات كثيرة بعد ذلك وصلات لم تنقطع حتى وفاته، جمعته بعميد الأدب العربي طه حسين، ومؤسس دار الكتب المصرية وباعث نهضة الثقافة العربية أحمد زكي باشا.


المستعرب ميجيل بلاثيوس
المستعرب ميجيل بلاثيوس
 
و ترجع أهميه كتاب جوميث إلى أن رحلة هذا المستعرب الإسباني المهم إلى هذه المنطقة من الشرق في هذا التوقيت بالتحديد، ساعدته بعد ذلك على اكتشاف جذور الشعر الغنائي الأوروبي، في خرجات "الأبيات الختامية" للموشحات الأندلسية، وكانت تكتب بلغة دارجة تجمع بين العربية واللاتينية الدارجة والعبرية، ليثبت العنصر العربي كمكون أساسي للشعر الغنائي الغربي، بعد أن كان سائدا لقرون أن جذور هذا الجنس الأدبي الهام بروفنسالية (نسبة إلى منطقة بروفانس جنوب فرنسا)، كما يرجع أصله إلى أواخر القرن التاسع أوائل القرن العاشر الميلادي، بدلا من القرن الثاني عشر.

حصلت ترجمة الكتاب إلى العربية على جائزة الترجمة التي يمنحها المركز القومي للترجمة بالتعاون مع سفارة إسبانيا بالقاهرة وقسم اللغة الإسبانية بكلية الألسن، جامعة عين شمس، وقد صدرت ترجمة الكتاب بالفعل أواخر عام 2017 أي بعد مرور تسعين عاما على رحلة جوميث الأولى، ومن المقرر طرحه في المكتبات بالتزامن مع معرض القاهرة الدولي للكتاب المقرر افتتاحه في الـ27 من يناير الجاري.

والرسائل موضوع الكتاب مقسمة لعدة أقسام. يتناول القسم الأول الحياة في الشرق والوضع الاجتماعي سواء للجالية الإسبانية في القاهرة أو طبقات المجتمع المختلفة في ذلك الوقت.

أما القسم الثاني فيتناول الموضوعات الأدبية والمخطوطات التي بدأ العلامة الإسباني يبحث فيها عن جذور تراث أجداده الأندلسيين في المحروسة، ورحلته للبحث عن الكتب والمخطوطات وتردده على الجامع الأزهر والمكتبة الخيديوية (دار الكتب)، وجامعة القاهرة التي كانت تعرف آنذاك بجامعة فؤاد الأول وتعرفه على طه حسين وكبار المستشرقين الإيطاليين والألمان وغيرهم الذين كانوا يقومون بالتدريس في الجامعة في ذلك الوقت.

يستعرض في القسم الثالث، محاولة التواصل مع أستاذه من أجل الاطمئنان على أسرته، و بالمستجدات في بلاده، وكذلك الاطلاع على المعارك الأدبية التي طرأت على أوساط المثقفين والباحثين من أمثاله، وهو ما يكشف المنافسة الشديدة التي كانت قائمة آنذاك بين أبناء هذا الجيل من أجل جلب كل ما هو جديد في عالم العلم بمختلف تخصصاته إلى إسبانيا.

تطرح المراسلات أيضًا مقارنات بين الحياة في القاهرة ومدريد، وكذلك نمط الحياة في القاهرة ومدن أخرى من الشرق مثل بيروت ودمشق وبغداد، جاءت جميعًا لصالح القاهرة.

وتعتبر هذه الرسائل إلى حد كبير، كما يوضح الكتاب، شهادة على عصر كان فيه الشرق في حالة فوران وتشكل، فالجامعة المصرية لم يمض على تأسيسها سوى عشرين عاما، والصراع محتدم بين تيار الإصلاح والتحديث بزعامة طه حسين، وبين جامعة الأزهر العريقة، بين دعاة التمدن و"التأورب" إن جاز التعبير وبين دعاة الحفاظ على الهوية، بين الإسلام التقليدي المدعوم من المؤسسة الرسمية وبين الدين الشعبي الذي تغلب عليه مظاهر التصوف بطرقها المختلفة الشاذلية والخليلية وغيرها والإسلام الحضري لدعاة التمدن، القاهرة الحديثة بشوارعها ومكتباتها ومؤسساتها والقاهرة الشعبية بحاراتها وأزقتها وسكانها المحليين، ومن وراء ذلك العمارة الإسلامية والآثار الفرعونية.

كما تكشف هذه الرسائل عن مواقف تعكس ما يمكن أن نطلق عليه صدمة الحضارة التي تلقاها هذا الأوروبي القادم من القارة العجوز، في وقت كانت فيه القاهرة منارة التحضر والتقدم في الشرق، مقارنة بالحياة في بلادهم.

من ناحية أخرى تلعب علاقة الأستاذ بتلميذه دورا محوريا في هذا الكتاب؛ فكاتب الرسائل إيمليو جارثيا جوميث تبادلها مع أستاذه ميجل آسين بالاثيوس، أما جامع الرسائل خواكين بايبي بيرميخو، وصاحب فكرة نشرها عام 2007، فكان أحد تلاميذ المستعرب الكبير.

تشبه علاقة جارثيا جوميث بأستاذه علاقة الابن بأبيه والحواري برسوله، بل قد أذهب أبعد من ذلك بدون مغالاة إن شبهتها بعلاقة موسى بالخضر، وهو ما يقره ويعترف به جارثيا جوميث، حيث يؤكد أنه لا يستطيع القيام بشيئ دون مشورته، كما يفخر بأن أفضل لقب يمكن أن يحمله مهما بلغت مكانته العلمية هو لقب تلميذ ميجل آسين بالاثيوس. يظهر ذلك بوضوح أيضا في آرائه النقدية لكل ما تقع عليه عيناه واختياره لأبحاثه ودراساته وتطور ترجماته. في الوقت نفسه لا يجد أية غضاضة في الاعتراف له في مواقف أخرى برجوعه عن آرائه أو تصويبها كما يتضح في أكثر من موضع من الرسائل.

ربما تحير كاتب الرسائل في البداية وتبنى مواقفا، عدل عنها بعد ذلك، فهذا الشرق ليس الذي سمع به أو رآه في أي صورة أو قرأ عنه، بل الشرق الحقيقي حيث تتلاقى المتناقضات وتتعايش الأضداد في صراع لا يحسم أبدا ولا يتوقف مطلقا، وربما كان هذا سر سحره وجاذبيته وثرائه بالنسبة للمستشرق خاصة لو كان شابا مثل جارثيا جوميث والذي لم يكف عن التردد على مصر منذ تلك الفترة حيث زارها عدة مرات خلال أعوام 1947 و1955 و1985 و2005. تجدر الإشارة إلى أن الزيارة الأولى كانت سببا في توطيد العلاقة بين جوميث وطه حسين، لدرجة أنه حرص بعد إجادته للعربية على ترجمة روايته التي تتناول سيرته الذاتية "الأيام" إلى الإسبانية، كما أهدى له العديد من دراساته ومؤلفاته. كما توجت هذه العلاقة باقتراح المستعرب الإسباني على عميد الأدب العربي إنشاء "المعهد المصري للدراسات الإسلامية" بمدريد، ليكون جسرا بين الشرق والغرب، ولتبادل الدراسات والدارسين بين مصر وإسبانيا، وهي الفكرة التي نفذها طه حسين عام 1950. قد عمل بالمعهد العديد من أعلام الدراسات الإسبانية والأندلسية، أمثال أبي الدراسات الإسبانية بروفيسر محمود علي مكي، وحسين مؤنس وصلاح فضل.

كما يكشف الكتاب أيضا عن حالة مستمرة من الميل إلى النقد الذاتي لا تخل من الاعتزاز بالهوية، مع السعي الدائب للوصول إلى جذور الثقافة والتاريخ ومن هنا تأتي أهمية ترجمة هذا العمل. لهذا حرص المترجم طه زيادة من أجل تحقيق النص وتوثيقه في بيئته وظروفه التاريخية والسياسية والاجتماعية على إضافة صورا وتعليقات آخر الصفحة لتوضيح الأماكن والشخصيات والكتب والمخطوطات الواردة في النص وهي ليست بالقليلة، وأحيانا بعض العادات والتقاليد والمواقف التي تعرض لها صاحب الرسائل أثناء رحلته إلى مصر من أجل فك الشيفرة الخاصة التي تحتويها هذه التجربة الفريدة.

د ب ا
الاثنين 15 يناير 2018


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan