عيون المقالات

العقل الكبير الذي خطفه كورونا

17/06/2021 - د. عمار علي حسن

لأناركية ثمرة الصراع بين الشرعية والمشروعية

15/06/2021 - المحامي عبد الناصر حوشان

أسئلة في الحب

15/06/2021 - أسعد طه

معارك حلب.. تفاصيل معارك الثكنات

13/06/2021 - العقيد عبد الجبار عكيدي

نحن وموسكو والزمن قصير

07/06/2021 - د. يحيى العريضي

علي دوبا ينتخب بشار الأسد

07/06/2021 - صبحي حديدي

تعالوا أحدّثكم عن رزان زيتونة

04/06/2021 - مصعب الحمادي


من المسؤول عن خراب الدولة في سورية والمشرق العربي




في سعيهم إلى تفسير إخفاق بناء الدولة في المشرق العربي، يركز باحثون عديدون، كما في كل ميادين التأخر في الواقع، على عناصر الإرث القديم من الثقافة السلطانية والدينية التقليدية والتعدّدية الإثنية أو البنية العشائرية الطائفية والقبلية. تسعى هذه المقالة، في المقابل، إلى التركيز على العوامل الجيوسياسية والاستراتيجية التي لعبت الدور الحاسم في المنطقة، من دون تجاهل دور العوامل الأخرى. ولا يعكس الولاء الثابت الذي أظهره أهل المشرق لقضية فلسطين والتفافهم حول الانتفاضة الفلسطينية هذا الشهر (مايو/ أيار 2021) إلا شعورهم العميق بمركزية هذه القضية في رسم مصير المشرق، ومدى مساهمة حروب توطين إسرائيل وتأمينها أيضا في صنع تاريخ هذا الإخفاق. وما من شك أن الوضع قد تجاوز الفشل في ضمان حق شعوبها في تقرير المصير إلى تقويض شروط وجود الدولة ذاتها، بوصفها تجسيدا لإرادةٍ سيّدةٍ عمومية، ومركز سلطة جامعة سياسية وقانونية وأخلاقية، وفي المقابل تقدّم حكم المليشيات وأمراء الحرب في أقطار عديدة. لذلك، على الرغم من مرور أكثر من قرن على ولادتها، لا تزال القضية الفلسطينية تشكل لبّ المسألة الشرقية الجديدة، تماما كما تشكل الكارثة السورية امتدادا دراماتيكيا للنكبة الفلسطينية.


الدولة والسيادة والشرعية

شكلت سورية الطبيعية، بموقعها الجيوسياسي، كنقطة تقاطع وتواصل بين القارّات الثلاث وحضاراتها، مركز جذبٍ دائم للإمبراطوريات الكبرى، منذ تكوين الدولة في منطقة الهلال الخصيب. وباستثناء الحقبة التي أصبحت فيها مركز إمبراطورية مستقلة، على إثر الفتوح الإسلامية، كان المشرق الآسيوي، على مر التاريخ، عرضةً لغزوات واجتياحات متقاطعة من الشرق والغرب والشمال والجنوب. وقد تضاعفت أهميته الاستراتيجية منذ القرن الثامن عشر مع تشكل الامبراطوريات الاستعمارية الحديثة، والتنازع فيما بينها على السيطرة على الممرّات والمعابر والمرافئ القارّية. لكن السيطرة عليه تحولت إلى هدفٍ مركزيٍّ للدول الكبرى مع شقّ قناة السويس طريقا مائية استراتيجية، ثم اكتشاف النفط بكمياتٍ كبيرةٍ في الجزيرة العربية والعراق، وعودة الاهتمام بالإرث الديني الرمزي الذي أحيا، بشكل أو آخر، أجواء الحروب الصليبية مع تجدّد الصراع على فلسطين، بدعم كلي من الغرب، والذي زاد التهابا بعد الإعلان الأحادي الجانب عن قيام إسرائيل عام 1948، دولةً يهوديةً خالصة، لا دولة مواطنيها، وتبنّيها سياسةً عنصريةً، تهدف إلى إحلال سكان جدد محلّ السكان الأصليين المطلوب اقتلاعهم من أرضهم وتهجيرهم بأي وسيلة.
ونظرا إلى حالة التخلف السياسي والاقتصادي الكبير الذي عاشته المجتمعات العربية خلال فترة الاحتضار العثماني الطويل، تحوّل عموم المشرق بسهولة، بعد هزيمة الدولة العثمانية وانهيارها، إلى منطقة تقاسم للنفوذ، حتى تطابقت خريطة تشكيل دوله الحديثة مع خريطة تقاسم السيطرة الدولية على أجزائه المقطّعة الأوصال، وإلى ربطها، بموافقة نخبها المحلية الضعيفة أحيانا للأسف، بالأحلاف الأجنبية. وهذا أهم ما عبّرت عنه اتفاقية سايكس بيكو السيئة السمعة، فلم تعكس هذه الخريطة الجيوسياسية الجديدة تطلعات شعوب المنطقة، ولا عبّرت عن إرادة نخبها، أو عن الديناميكيات الداخلية، أو حتى الإقليمية العميقة، بمقدار ما جاءت استجابةً لمخطّطات استراتيجية، وتجسيدا لتوازنات قوى ومصالح دولية، حتى بدت وكأنها صيغت من أجل تفكيك بلاد الشام أو سورية الطبيعية، بشكل خاص، وتحطيم وحدتها، فكانت أكبر ضحاياها المملكة الفتيّة التي أعلنها الوطنيون العرب على كامل حدود سورية الطبيعية، بعد ان أخلفت بريطانيا وعودها في إنشاء المملكة العربية على كامل الأراضي الناطقة بالعربية في غرب آسيا.
ومنذ ذلك الوقت، سوف تتحكّم هذه الجغرافيا السياسية الجديدة بالتحولات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية المقبلة، وتعمل على إعادة تشكيل القوى الاجتماعية وتوزيع الموارد المادية والرمزية، وتكوين النخب السياسية وأيديولوجياتها وعلاقاتها مع شعوبها، وهامش استقلالها، وموقع كل منها في التوازنات الإقليمية والدولية، ومن ثم اتجاهات تطورها في المستقبل. ما يعني أيضا إطلاق ديناميكيات مختلفة كليا عن التي وحّدت النخب المشرقية، وعزّزت دورها في حقبة انحسار الهيمنة العثمانية، وصعود موجة الاستعمار الغربي منذ بداية القرن الماضي.
وقد عكست هذه الخريطة جوهر الصراع الذي لم يحسم حتى اليوم بين الوطنيين السوريين والعرب من جهة والسياسة الغربية التي مثلتها في تلك الحقبة حكومتا بريطانيا وفرنسا، وتمثّلها اليوم بشكل أكبر الولايات المتحدة من جهة أخرى، فلم ينبع هذا الصراع من خلافاتٍ حول الهوية القومية أو الوطنية، ولم يقم على رفض الاعتراف بالتمايزات الدينية والإثنية داخل مشروع المملكة العربية، ثم الدولة السورية الفيصلية، ولا على رفض العرب التحالف مع بريطانيا وفرنسا وبعدهما الولايات المتحدة، ولا على طبيعة نظام الحكم. كان الخلاف على نقطة وحيدة، لكنها حاسمة، لأنها تكمن في جوهر بناء الدولة وأساس تقدّمها، هي مسألة السيادة.
وتعني السيادة، بأبسط العبارات، صفة السلطة التي لا سلطة فوقها في نطاق دائرة ممارستها على أراضي الدولة المعترف بها، بصرف النظر عما إذا كان مصدر هذه السيادة الشعب أم إرادة النخبة الحاكمة ذاتها، فالسلطة السيدة هي التي تضع القاعدة السياسية، وتسنّ القانون وتوزّع السلطات، وتحدّد لكل منها صلاحياتها، وتشكل مرجعيتها، بما في ذلك سلطات المجتمع المدني. وهذه الخاصية المرتبطة بسلطة الدولة، والتي تجعلها مختلفةً عن كل السلطات وفوقها جميعا، هي التي تمكّنها من أن تنظم العلاقة بين جميع السلطات الأخرى، وتبث روح الاتساق والانسجام والتعاون فيما بينها في سبيل تحقيق غايات المجتمع وتطلّعاته.
وفي هذه النقطة يكمن الفرق بين الدولة السورية الأولى التي ولدت بقرارٍ من المؤتمر السوري الذي أعلن استقلال سورية ملكية دستورية، مع فيصل بن الحسين ملكا عليها (8 مارس/ آذار 1920)، وسورية الانتداب الفرنسي، قبل أن تنتزع استقلالها في 17 إبريل/ نيسان 1946. فقد انبثقت الأولى من إرادةٍ ذاتيةٍ مثلتها جمعية وطنية ضمت ممثلين من جميع المقاطعات السورية، ممن لعبوا دورا نشطا في الجمعيات والتنظيمات الحرّة التي خاضت الصراع ضد الاستبداد العثماني، وضد سياسة التتريك التي تبنّتها تركيا الفتاة بعد انقلاب 1908، ودستورا ديمقراطيا تمثيليا كان الأول من نوعه في العالم العربي، ينص على المساواة التامة بين المواطنين، بما في ذلك حق المرأة في الانتخاب، في وقت لم تعترف دول أوروبية عديدة، ومنها فرنسا، بهذا الحق حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. أما الدولة السورية التي انبثقت من إرادة سلطات الانتداب الأجنبية فقد أتت على أسنّة الرماح، وعلى أجساد الشهداء السوريين، وفي مقدمتهم وزير الدفاع، يوسف العظمة، وأعطت لنفسها الحقّ في التصرّف بمصير الشعب والأرض والدولة معا لصالح دولة الاحتلال ومصالحه.
وهذا هو في الحقيقة جوهر الصراع التحرّري الاستقلالي الذي خاضته الشعوب المستعمرة جميعا، فاستعادة السيادة للشعب هي شرط تطوّر الدولة التي تعبر عن إرادته ومصالحه، وقيام نظم سياسية تستمد شرعيتها من التعبير عن هذه الإرادة وتلك الحقوق. وبالعكس، من المستحيل على الدولة التي تفقد سيادتها أو تضحّي بها أن تستجيب لطموحات شعبها وآماله. فالسيادة هي المادّة التي لا غنى عنها لنشوء سياسة وتكوين حقل سياسي منتج. وفي ظلها يتّحد الأفراد المختلفون والمتعدّدون، وبفضل المشاركة المتساوية في الحقوق التي لا اساس لها من دون هذه السيادة يتحوّلون إلى جماعة واحدة، متفاعلة ومتضامنة وواعية لذاتها وهويتها السياسية (الوطنية). فالسيادة هي رأسمال الدولة في علاقاتها مع أعضائها ومجتمعها، ومع الخارج أيضا. وبمقدار ما تفتقر الدولة لرأس المال هذا، تخسر قدرتها على إنتاج المواطنة، بمقدار عجزها عن إنتاج الحقوق والحرّيات والمسؤوليات المرتبطة بتكوينها. والسبب ببساطة أن الدولة التي لا تملك حرية قرارها لا يمكنها أن تضمن حرية قرار أعضائها. وبالمثل، بمقدار ما ترتهن لإرادة القوى الأجنبية للحفاظ على بقائها، تجد نفسها منزوعة الإرادة، وتدخل بسبب ذلك أيضا في تناقضٍ مع شعوبها، ولا تملك وسيلة لفرض سيطرتها سوى بتحييد هذه الشعوب وتقسيمها وشلّ إرادتها.
من هنا، لا يمكن للدولة العقيم، منزوعة السيادة، أن تنتج طبقةً سياسيةً تحظى بالشرعية، أو بناء نظام سياسي يعتمد في استقطابه ولاء الجمهور وطاعته على استلهام القيم والمبادئ وما يبعثه من آمال. وغاية ما تطمح إليه طبقة سياسية عاجزة وتابعة هو تبرير وجودها في السلطة في مقابل ما تقدّمه من خدمات اجتماعية وفي الكثير من الاحيان بالتسول على الدول التي تمارس الوصاية عليها. لذلك تبقى نظم حكمها غير مستقرة، ومهدّدة دائما بانقلاب الجمهور عليها، حالما يظهر إخفاقها في تقديم هذه الخدمات. والحالات النادرة التي حظيت فيها نخب البلدان التابعة السياسية بالشعبية، وأسّست لشرعية سياسية وإيديولوجية قوية، تجذب إليها الجمهور، وتستطيع أن تثق بولائه، حتى في زمن النكسات، ارتبطت هي بالضبط باللحظات التي قرّرت فيها أن تخوض معركة السيادة، وتقود صراعا حقيقيا ضد التبعية والتدخلات والاعتداءات الخارجية. وهذا هو مسار الزعماء السياسيين الذين حظوا بشعبية كبيرة، وأثاروا حماس الجماهير. وهو ما يفسر أيضا أصل هذه الشعبية وذاك الحماس الذي أثاره زعماء كبار في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لم تعرف عنهم ممارسة الديمقراطية ولا تداول السلطة وكان أكثرهم من الاتوقراطيين وأحيانا الطغاة، ، ومن أبرزهم جمال عبد الناصر وهواري بومدين وصدام حسين . فانتزاع السيادة هو شرط تحويل الأفراد أيضا إلى مواطنين، أي أناس أحرار، وتأسيس نظام الحقوق والواجبات الذي لا يعني شيئا سوى مشاركة الأفراد في صفة السيادة والمشاركة في القرار والاختيار.
ولكن من يذكر المسيح يتذكّر بالضرورة المسيح الدجّال، فقد أعطت تجربة هؤلاء الزعماء، الذين كبرتهم الغيرة على السيادة والاستقلال والاعتزاز بكرامة شعوبهم وأمتهم وتاريخهم، درسا مهما لكثيرين من رجال السياسة الوصوليين والدكتاتوريين الجلفاء، مفاده بأن أقصر طريق لكسب عطف الجمهور وتأييده هو خداعه بتبنّي خطاب العداء للاستعمار والتنسيق السرّي معه في الوقت نفسه. وقد نجح كثيرون منهم في إتقان هذه السياسة الازدواجية، والحصول على قسط من الشعبية، بينما كانوا يحيكون المؤامرات على الشعب مع القوى الأجنبية، ويعقدون الاتفاقات على حساب السيادة والمصالح الوطنية. كانت تلك محاولةً في التمديد الكاذب للحظة الكفاح البطولية، من أجل السيادة التي قادها زعماء كبار، بعد نيل الاستقلال، وتجنّبا للانخراط في الحرب الباردة مع طرفي الصراع. ومن هذه المحاولة سوف تولد الوصولية التي أصبحت، في العقود القليلة الماضية، بعد استنفاد بريق الأفكار القومية والاشتراكية، عقيدة قائمة بذاتها ومدرسة في السياسة. وصار الغشّ والعمل في الظلام وإخفاء الحقائق والتلاعب بالمعلومات وحروب الجيوش الإلكترونية لتسميم الرأي العام مادة السياسة اليومية للحاكمين، ودليل عملهم لتحييد المحكومين، وإخراجهم كليا من السياسة. والنموذج الأبرز لهؤلاء حافظ الأسد الذي لم يعادل وهم عدائه الغرب إلا حرمانه شعبه من أي حقٍّ في الأمن أو الحرية أو الكرامة، وإخضاع الدولة لمصالح وسيادة سلطة عائلية. وربما يعود السبب الأول في ارتداد الرأي العام على فكرة السيادة والاستقلال والقومية والوطنية، مما أصبح شائعا في الوقت الحاضر، ومن ثم إحياء الحنين لنظام السيطرة الاستعمارية إلى إدراك الجمهور للخديعة وكذب ما يدعيه الحاكمون من الحرص على السيادة لتبرير حرمان الأفراد من حقوقهم وحرياتهم ولتعزيز موقع الزعماء الكاذبين ومكانتهم في نظام القمع والهمنية الدولية والمشاركة مع الدول المركزية في تحييد الشعوب وشل قدراتها وارادتها حفاظا على الأوضاع القائمة ومنعا لأي تغيير.
-----------
سوريا الامل

برهان غليون
الاثنين 7 يونيو 2021