عيون المقالات

هُزم ترمب... هل انتصرت الترامبية؟

19/01/2021 - ممدوح المهيني

قهوة الظّلماوي

17/01/2021 - فهد عافت

كيف دخلت كل هذه الكتب بيتي؟

16/01/2021 - مايكل ديردا

خطاب نصرالله تحت المجهر

15/01/2021 - نزيه دياب

هل يحل البوط مشكلتنا

14/01/2021 - مشيل كيلو

ايها الربيع العربي ترحم معنا على روح ماكبث

14/01/2021 - د.محيي الدين اللاذقاني

"الترامبية" وحفلة وداعية للذكرى

10/01/2021 - حسن أبو هنية


ميساء الخضراء






صباح مغادرة رام الله، بعد المشاركة في ملتقى فلسطين للرواية، جاءت ميساء الخطيب إلى الفندق تحمل هدية ثمينة بمعناها وقيمتها ومذاقها وفوح عطرها. سلة من فاكهة مزرعتها التي قطفتها عند الفجر.


 هل جربتم طعم التين والكمثرى المقطوف طازجاً من الشجرة إلى الفم؟ نحن في مدن الإسمنت نشتري الخضار والفواكه من «السوبرماركت». وتكون قد مضت أسابيع على الموز والتمور والرمان وهي تسافر بالشاحنات من مزارعها إلى الموانئ، ثم أيام أخرى وهي تشحن بالبواخر من بلدان المنشأ إلى بلدان الاستهلاك. أي طعم يبقى للطماطم بعد أن تكون قد قطفت خضراء من شجيراتها وتركت لتنضج في الصناديق؟
 
تقاسمت الهدية مع الروائي السوداني طارق الطيب. كانت أثقل مما هو مسموح لي بحمله في حقيبة اليد بالطائرة. لكن ليس هذا هو السبب الذي يجعلني أحدثكم عن ميساء الخطيب، الفنانة المسرحية، عاشقة التراث، والفلاحة الفلسطينية قبل هذا وذاك. فهذه السيدة الجميلة هي صديقة الكثيرين من الطيبين والطيبات في «فيسبوك». ومن عادتي أن أستيقظ قبل النجمة. أمد يدي لأطالع شاشة هاتفي فأجد أن ميساء قد سبقتني في إلقاء تحية الصباح. وهي لا تشبه أي تصبيحة غيرها، لأنها تأتي مشفوعة بصور مما طرحته حاكورتها من خيرات عند الفجر.
تصلني رائحة فلسطين، بينما تتوالى أمام ناظري ما تنشره من صور الأعناب وثمار التين والخوخ وعناقيد الزيتون. باقات الزعتر والنعناع والهندباء. كلها من نعمة «كفر نعمة»، البلدة المجاورة لرام الله. أرض مباركة تحنو عليها يدان خضراوان. بل يبدو لي أن ميساء ترعى مزروعاتها بعينيها، وتنفخ عليها من أنفاس روحها، وتحميها من العواصف والأنواء بخصلات شعرها الحالك الطويل. وكثيراً ما تخيلتها وهي تسهر عند الشتلات والبراعم، تغني لها «على دلعونا على دلعونا بارك يا ربي شجر الزيتونا»، أو تقرأ لها شعراً عن «امرأة تترك الأربعين بكامل مشمشها».
لميساء الخطيب طريقتها في الاحتفاء بالأصدقاء. إنها تزرع أشجاراً تسميها على أسمائهم. تبدأ الشجيرة طرية ثم يشتد عودها. يبقى الصديق مشدوداً إلى تلك الأرض موعوداً بزيارتها. أقرأ ما نشرته في حسابها: «مش صدفة إني أزرع داليتين بجنب بعض. مش صدفة إنه هدول الداليتين بأسماء أصدقاء بحبهم كتير، نعيم المقيم في الغربة ومنى المقيمة بالأردن. وعدتكم ووفيت بوعدي. رح يكبروا هدول الداليتين ورح نتشارك بفرح عناقيدهم سوا، متل ما بنتشارك بحبنا لفلسطين».
صباح كل جمعة، تنطلق ميساء مع مجموعة من معارفها لاستكشاف أماكن جديدة في الجوار. هكذا يوطدون العلاقة بينهم وبين الأرض. يتجمعون في الخامسة صباحاً من نقطة وسط رام الله ويقطعون كيلومترات برفقة دليل. ومعهم نتعرف على «كفرثلث»، ومنطقة «السهرات» المطلة على السهل الساحلي، وقرى مدمرة مثل «كفر سابا» و«الشيخ مونس» و«خريش» و«الزاقور» و«عرب المويلح» و«رأس العين». يمحو الاحتلال الشواهد فتنبعث واقفة في الذاكرة.
وميساء بنت مخيم تل الزعتر في لبنان. عاشت فيه أياماً حلوة وأياماً مرة قبل العودة إلى فلسطين. وحين حوصر المخيم لم يبق لدى سكانه غير العدس. تروي أن أسابيع طويلة مرت عليهم وهم يأكلون ما لا يخطر على البال من وجبات العدس. جرشته الأمهات وعجنته وخبزته أقراصاً على الصاج. «كنا نغمس خبز العدس بالعدس المطبوخ، حتى نفدت آخر قطرات الماء من البيوت».
بدون وعد، فاجأتني ميساء بأنها زرعت في أرضها شجرة باسمي، سترعاها وتسقيها بالنيابة عني، أنا التي لا أعرف سوى سقي نباتات البلكونة. أقول إنها صداقة ذات جذور.
------------
الشرق الاوسط

إنعام كجه جي
الاحد 10 يناير 2021