حكاية الدكتور والقمر

26/09/2020 - أسعد طه


أوروبا تحتاج القبضة الحديدية والقفاز المخملي لسحب برامج الدعم






نيويورك - طرحت جائحة فيروس كورونا المستجد على الحكومات الأوروبية الكثير من الأسئلة الصعبة، بدءا من السؤال عن ضرورة غلق المدارس وحتى السؤال عن الشركات التي يجب التدخل لإنقاذها.

والآن مع استمرار إعادة فتح الاقتصادات والتخلي عن إجراءات الإغلاق التي سبق فرضها للحد من انتشار الفيروس، يواجه الساسة سؤالا صعبا جديدا، وهو هل يجب الإبقاء على برامج دعم أجور العاملين في الشركات الخاصة؟

فهذه البرامج ساعدت العمال في الاحتفاظ من الناحية النظرية بوظائفهم ولم يتم تسريحهم في ذروة إجراءات الإغلاق، ولكن تكلفة هذه البرامج على الخزانة العامة كانت باهظة، ولكن الغاء هذه البرامج تدريجيا سوف يسفر عن بطالة جماعية.


وبرى فرديناندو جويجليانو المحلل الاقتصادي في وكالة بلومبرج للأنباء أن التعامل مع هذه المشكلة يحتاج إلى مزيج من القبضة الحديدية والقفاز المخملي، مضيفا أنه لا يجب أن تتوهم الحكومات قدرتها على حماية كل الوظائف في اقتصاداتها
فبعض الشركات وبخاصة في مجالات تجارة التجزئة والترفيه عرضة لمخاطر التغير في عادات المستهلكين، حتى قبل جائحة فيروس كورونا. ولكن على صناع السياسات في أوروبا توفير الوسائل اللازمة لمساعدة العاطلين الجدد، في ظل معدلات البطالة العالية المتوقعة. كما تحتاج الحكومات إلى التأكد من قدرتها على التراجع عن قرارات تقليص برامج دعم أجور عمال الشركات إذا تقرر إغلاق الاقتصادات مجددا بسبب موجة ثانية من العدوى بالفيروس.
ويرى جويجليانو في تحليله بوكالة بلومبرج للأنباء أن أسواق العمل في أوروبا تمر بمرحلة حرجة للغاية. ففي بريطانيا على سبيل المثال ظل معدل البطالة خلال الربع الثاني من العام الحالي عند مستوى 9ر3 في المئة فقط، وذلك لأن الشركات احتفظت بعمالها بفضل الدعم الحكومي السخي للأجور، كما أن الأشخاص الذين لا يعملون قد لا يبحثون عن وظيفة وبالتالي لا يتم اعتبارهم ضمن العاطلين.
ولكن الصورة الحقيقية لسوق العمل في بريطانيا تبدو أسوأ من ذلك بكثير إذا نظرنا إلى عدد البريطانيين الذين يعملون بالفعل. فقد انخفض عدد العاملين فعلا في بريطانيا خلال الربع الثاني من العام الحالي بمقدار 220 ألف شخص مقارنة بالربع الأول من العام، وهو أكبر تراجع من نوعه منذ الأزمة المالية السابقة التي تفجرت في عام 2008.
وفي منطقة اليورو ارتفع معدل البطالة بالكاد إلى 8ر7 في المئة خلال حزيران/يونيو الماضي مقابل 7ر7 في المئة خلال الشهر السابق، حيث تحملت برامج الدعم الحكومي للأجور الجزء الأكبر من عبء إبقاء العمال في وظائفهم. ورغم ذلك تظهر الشقوق واضحة في الصورة. ففي إسبانيا ارتفع معدل البطالة بمقدار نقطة مئوية كاملة إلى 3ر15 في المئة خلال الربع الثاني من العام الحالي، في الوقت الذي زاد فيه عدد غير العاملين بين من هم في سن العمل بالبلاد بمقدار مليون شخص إلى 6ر17 مليون شخص.
في المقابل فإن النبأ الجيد هو ظهور مؤشرات على تحسن النشاط الاقتصادي في أوروبا، في حين نجحت الحكومات حتى الآن في الحد من انتشار الفيروس، بصورة أفضل من دول أخرى مثل الولايات المتحدة. في الوقت نفسه فإن العودة البطيئة إلى الأوضاع الطبيعية للاقتصاد تدفع السياسيين بمن فيهم وزير الخزانة البريطاني ريشي سوناك إلى إعادة النظر في الدعم الاستثنائي الذي قدمته الحكومة للاقتصاد خلال النصف الأول من العام الحالي. فهذه البرامج إلى جانب التكلفة الباهظة التي تمثلها بالنسبة للخزانة العام، تعطي حوافز خطأ للشركات والعمال من خلال الإبقاء على شركات غير قابلة للبقاء وتشجيع الكسالى على عدم العودة إلى أعمالهم الفعلية.
في العالم المثالي يقوم السياسيون المهرة بسحب الدعم الحكومي من الشركات التي استعادت عافيتها وأصبحت قادرة على الوقوف على قدميها، وكذلك من الشركات التي لا تمتلك أي فرصة للبقاء ومواصلة نشاطها. وبعد ذلك تتم إعادة توجيه الموارد المالية إلى تلك الشركات التي تحتاج للمزيد من الدعم المؤقت ولديها فرصة جيدة للبقاء والتعافي فيما بعد.
غير أنه من الصعب التمييز بين الشركات التي لا تمتلك فرصة للبقاء، وتلك التي تمتلكها وبالتالي تستحق مواصلة دعمها. فأغلب الشركات ستدعي أن الصعوبات التي تواجهها مؤقتة، حتى تلك التي تعمل في قطاعات منكوبة مثل الطيران والضيافة.
أخيرا على الحكومات الأوروبية ان تكون مستعدة لإعادة إغلاق اقتصاداتها مرة أخرى كما حدث في الربيع الماضي. والدعم الحكومي في هذه الحالة قد يكون مكلفا وربما مرهقا لبعض الحكومات لكنه بظل حيويا في مثل هذه الأزمة.

د ب ا
الجمعة 14 غشت 2020