حكاية الدكتور والقمر

26/09/2020 - أسعد طه


"البيروقراطية"، الفساد الذي يأبى للجزائر التخلص من تخلفها




الجزائر - أطلقت الجزائر على مدار سنين طويلة العديد من المشاريع " الطموحة" بمخصصات مالية كبيرة جدا على أمل تغيير وجه البلاد ومعيشة العباد نحو الأفضل، لكن الخيبات توالت وجاءت الصدمات أكبر من المتوقع، فبقت الأماني محفوظة إلى حين.

لم تكن طبيعة النظام وحدها هي السبب في فشل هذه الجهود، بل اجتمعت عوامل أخرى لم تساعد الدولة على النهوض والتخلص من " التخلف" الذي لازمها رغم أنه لم يكن قدرا محتوما.


 
يشير الكثير من الجزائريين بداية من قادة البلاد الكبار إلى أبسط مواطن بالبنان إلى الإدارة فيحملونها المسؤولية على هذا الوضع، وبأن معروفا في البلاد أن ما يعرف بـ"البيروقراطية" هي الهاجس الأكبر للحاكم والمحكوم على السواء، رغم أنها لا تملك لا البندقية ولا الدبابة، لكنها هي من تتولى تنفيذ القرارات مما مكنها من قوة لا تضاهيها قوة أخرى.
نظام قائم وجزء من منظومة الحكم
عامر، هو أحد المتخرجين من الجامعة الجزائرية هاجر إلى الخليج قبل 15 عاما، تحدث لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) عن البعبع الذي يرعب الجزائريين فيقول أن "البيروقراطية نظام قائم وجزء من منظومة الحكم... كل شيء يخضع لإدارة بيروقراطية".

ويرى عامر أن هذا النظام يعود إلى جذور تاريخية، إلى فترة الحكم العثماني الذي أسس للأجيال الاولى من سلسلة البيروقراطية التي تعتمد على مجموعة من الموظفين في سلم تراتبي طويل يحول دون مرونة الإدارة في الخدمات الحكومية.

يسترسل عامر في كلامه فيوجه أصابع الاتهام أيضا للفرنسيين ( احتلوا الجزائر من عام 1930 إلى عام 1962) لكونهم هم من اخترعوا البيروقراطية الحديثة والتنظيم الإداري الذي تكثر به الأجهزة مثل البلدية وفروعها المتعددة ثم الدائرة والولاية، ما يجعل مصادر القرار والخدمة الحكومية تعتمد على أوراق وموافقات من كل هذه الأجهزة، ويفتح المجال للنفوذ وتعقيدات وتشابك بين هذه الهياكل الإدارية والحكومية.

كأن يتوقع أن يكون خلاص الجزائر من كل هذه التعقيدات الإدارية بعد استقلالها عن فرنسا، لكن سرعان ما غاصت رجليها أكثر في الوحل بعدما ورثت بيروقراطية النظام الاشتراكي المعروف بسيطرة موظفي الحكومة على سلسلة الخدمات الحكومية التي تشكل أرضية الفساد وممارسة النفوذ خارج القانون.

خطر حقيقي على التنمية الوطنية

يعتبر الإعلامي محمد مسلم، أن البيروقراطية من بين أخطر الامراض التي وقفت حجر عثرة أمام خروج الادارة الجزائرية من مازقها، والدولة من تخلفها.

ويشير مسلم، إلى معاينة رئيس الوزراء عبد العزيز جراد، خلال اللقاء الأخير للحكومة بالمحافظين، عندما نبه إلى خطورة البيروقراطية التي وصفها بـ" الوباء" الذي تمكن من تحجيم نسبة تطبيق القرارات إلى نسبة تتراوح ما ببن 10 و20 بالمئة فقط.

ويعتقد مسلم، أن انحدار البيروقراطية إلى هذا المستوى السحيق من الرداءة، بات يشكل خطرا حقيقيا على التنمية الوطنية، ومن ثم تكبيل دواليب الدولة ومؤسساتها عن القيام بمهامها.
ويذهب بعيدا فيقول أن الاصلاحات التي فرضها الحراك الشعبي الذي هز البلاد في 22 شباط/ فبراير 2019 على السلطة، لا تزال تراوح مكانها، وأن الفساد الاداري قد تغول على الدولة، وأن هذه الاخيرة اصبحت رهينة تراكمات عقود من الفساد الاداري الذي فرخ العديد من الآفات التي حرمت الدولة من النهوض، والمواطن من الرخاء، في دولة تنام على ثروات اسالت لعاب الكثير من الطامعين ولا تزال.


الإدارة في قفص الاتهام

حتى رئيس البلاد عبد المجيد تبون، ضاق ذرعا من هذه الممارسات واستشاط غضبا في وجه البيروقراطية علنا، مرة أولى في حديثه لوسائل إعلامية، ومرة ثانية خلال ترؤسه للقاء حول الانعاش الاقتصادي والاجتماعي.

الرئيس تبون، تساءل عن السبب الذي يجعل بعض الإدارات على المستوى المحلي لا تنفذ قرارات مجلس الوزراء رغم أنه هو صاحب السلطة، داعيا إلى ضرورة الاسراع في رقمنة كل القطاعات الاقتصادية والمالية لإزالة ما اسماه "الضبابية المفتعلة" في هذه القطاعات، وتكريس الشفافية قصد النهوض بالاقتصاد الجزائري.

وقال في خطابه أمام رجال الأعمال والمستثمرين "هذه الادارات لا تزال تعمل بطرق ووسائل قديمة تجاوزها الزمن ولا تسمح بمعرفة ما يمتلكه الجزائريون من عقارات وشركات على المستوى الوطني".

اذا كان استياء تبون، وهو الرئيس والقاضي الأول في البلاد من نوعية الخدمات التي تقدمها الإدارة قد بلغ ذروته ولم يعد خفيا على أحد، فكيف هو حال المواطن البسيط الذي لا حول ولا قوة له، أو رجل الأعمال الذي يرغب بإطلاق مشاريع استثمارية فائدتها تطال المجتمع أو فئة منه.

يذكر محمد سعيود، المستشار الدولي في الاستثمار، التجارب الناجحة للعديد من الاتراك الذين كانوا يعيشون في ألمانيا وبعدما عادوا إلى بلدهم قاموا باستثمارات كبيرة متسلحين بالتكنولوجيا والمعرفة التي اكتسبوها هناك، فضلا عن البيئة المشجعة التي بأنت توفرها تركيا للمستثمرين من كل بقاع العالم.

لكن سعيود، ابدى تشاؤمه من نجاح التجربة التركية في الجزائر خوفا من رداءة الخدمات الحكومية والعراقيل والقيود التي تضعها الإدارة امام أصحاب الاستثمارات أو المشاريع، فيقول أن شروط الاستثمار غير محفزة تماما ولا تساعد إطلاقا على جذب لا الافكار ولا الاستثمارات الوطنية ولا الأجنبية.

وقال " من غير المعقول أن تطلب الإدارة من رجل أعمال أن ينتظر ثلاث أو أربع سنوات وطيلة هذه المدة ترغمه على دفع مبالغ مالية غير قابلة للتعويض، دون تقديم ضمانات بقبول ملفه. لا اعرف مستثمرا واحدا بإمكانه أن ينتظر طيلة هذه المدة ويقبل بهذه الشروط".

ودعا سعيود، إلى مراجعة العديد من الأمور مقترحا على سبيل المثال لا الحصر انشاء مناطق صناعية جاهزة يتولى مقاولون بنائها على أن يقوموا هم بتأجيرها، وهو ما سيساعد حتما على تسريع وتيرة النمو في الجزائر ويخلصها من الاعتماد الكلي على ريع النفط.

ولأن التجارب السابقة لا زالت محفوظ في الأذهان، حذر أستاذ الاقتصاد عبد الرحمن عية، من فشل تجربة الصيرفة الإسلامية التي أطلقتها الحكومة من اجل تدعيم امكانياتها المالية واستقطاب ثلث الكتبة النقدية المتواجدة خارج البنوك والتي تصل إلى 50 مليار دولار.

وناشد عية، البنوك التي عهد إليها تسويق منتجات مالية تخضع لأحكام الشريعة الإسلامية إلى الاجتهاد لانجاح هذا المشروع والتعامل مع المواطنين بطريقة سلسلة وعدم وضع العراقيل أمامهم.

وأكد عية، أن مشروع الصيرفة الإسلامية لا يمكن له أن يفشل في الجزائر، إلا اذا كانت هناك إرادة مبيتة من قبل جهات أو لوبيات تعمل ضد مصلحة الوطن والمواطن.

الإرادة السياسية قادرة على هزم الفساد الإداري

يأمل الكثير من الجزائريين في أن تقود الإرادة السياسية التي تترجمها مواقف الرئيس عبد المجيد تبون، ورئيس وزرائه عبد العزيز جراد، إلى وضع حد للفساد الإداري الذي حطم كل المبادرات وخلق حالة من التململ وسط المجتمع بسبب أفكار وتقاليد يفترض أنها زالت من قاموس الممارسات وسلوكيات الموظفين الحكوميين.

يبرز محمد، وهو موظف في القطاع الخاص، بأن مسار الإصلاحات " الجديد" الذي تعرفه الجزائر لن يحالفه التوفيق، إذا لم يأخذ في المقام الأول تصحيح الخلل الكبير الموجود على مستوى المنظومة الإدارية خاصة تلك التي تكون على علاقة مباشرة يومية بالمواطن.

ولفت محمد، أنه من غير المعقول ونحن في القرن الواحد والعشرين أن يقضي المواطن الجزائري وقتا كثيرا أمام الدوائر الحكومية من أجل الحصول على وثائق في الحقيقة غير ضرورية وليست ملزمة، بل بإمكانه الحصول عليها في ظرف وجيز جدا لو تم اعتماد العمل بقوانين " الحكومة الالكترونية" التي روج لها كثيرا من دون أن ترى التور.

كما يجزم أن تحسين الخدمات الحكومية سيوفر على الجزائر الكثير من الوقت والأموال التي يمكن استثمارها في مجالات أخرى قادرة على خلق الثروة وتساعد على تحقيق الطفرة التي تبقى أمل قطاع واسع من الجزائريين.

د ب ا
الاربعاء 9 سبتمبر 2020