نظرا للصعوبات الاقتصادية التي رافقت الجائحة وأعقبتها اضطررنا لإيقاف أقسام اللغات الأجنبية على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

الأحواز والاغتصاب الكبير

24/01/2023 - المحامي ادوار حشوة

مراجيح أردوغان

18/01/2023 - سمير التقي

اردوغان يبيع الاسد الى واشنطن

17/01/2023 - محمد العزير

التضادّ بين الفن والإنسانية

16/01/2023 - عائشة صبري

تركيا والأسئلة الحاسمة

12/01/2023 - يحيى العريضي

حلب هي الحل

07/01/2023 - محمد بن المختار الشنقيطي


هل يفضي تطبيع أنقرة مع دمشق إلى تشكل معارضة جديدة؟




 ما الجديد؟
في خضم الأجواء الاحتفالية والتصريحات “الإيجابية” بقرب إبرام اتفاق بين أنقرة ودمشق؛ يبحث ملايين
السوريين عن أية تسريبات يمكن أن تساعدهم في معرفة مصيرهم بعد انقضاء أحد عشر عام اً من
التشرد والمعاناة.
وعلى الرغم من إحاطة العملية التفاوضية بكتمان شديد؛ إلا أن ما يرشح من تسريبات لا يقدم أي جديد
13للشعب السوري المنكوب، ولا يخرج في إطاره العام عن “خارطة الطريق” التي تم التوافق عليها (
بين مسؤولي الاستخبارات التركية ونظرائهم في دمشق، والتي قيل إنها تتكون من 
 والتنسيق في مجال “مكافحة تسعة نقاط، تتضمن: تعزيز التعاون 
الإرهاب”، والعمل على عودة اللاجئين، ودفع “المعارضة” نحو خيار التسوية مع النظام، ووقف العمليات
العسكرية للفصائل، وإمكانية سحب أنقرة قواتها من شمال سوريا إذا التزمت دمشق بضمان السيطرة
التامة على الوحدات الكردية.
ولا تخرج المباحثات الأخيرة عن تلك الخطوط العريضة، باستثناء التوسع في التفاصيل المتعلقة
لتشمل: تشكيل لجنة تنسيق دائمة على مستوى وزراء الدفاع والأجهزة الأمنية تتولى بتنفيذها،
متابعة المفاوضات وخطوات بناء الثقة والتمهيد لعقد لقاءات دبلوماسية، والتعاون العسكري لبسط
سيطرة قوات النظام على مناطق “قسد”، وتفكيك التشكيلات الكردية المسلحة على طول الشريط
الحدودي مع تركيا، والتعاون الأمني لمكافحة المؤسسات والكيانات الإرهابية، وتسيير دوريات مشتركة
) تمهيد اً لفتحها أمام الحركة التجارية.5M) و(4Mلتأمين الطرق الدولية (
أما بالنسبة لعودة اللاجئين، فقد تمت مناقش حزمة من الإجــراءات تتضمن: إمكانية اعتماد وحدات
إدارية في بعض مناطق سيطرة النظام كمرحلة اختبار يتم من خلالها تسهيل عودة اللاجئين إليها،


 
ومن ثم توسيعها لتشمل مناطق إضافية تمهيد اً لإعادة كافة اللاجئين إلى مناطقهم، وتجميد العمل
) الخاص بمصادرة ممتلكات السوريين المقيمين في الخارج.10/2018بقانون (
وتناولت المباحثات كذلك؛ آليات تدشين مفاوضات مباشرة بين النظام والمعارضة يمكن أن تفضي
إلى حل سياسي وعملية إصلاح دستوري، وفي حال تعاون دمشق في ذلك الملف الشائك؛ قدمت
أنقرة حزمة مغريات تتضمن: رفع اً جزئي اً للعقوبات المفروضة على دمشق، وتوفير التمويل اللازم لإعادة
ً
الإعمار والبنى التحتية (بتمويل خليجي)، وإمكانية إخلاء عدد من النقاط العسكرية التركية، انتهاء
بإمكانية تقديم جدول زمني لانسحاب القوات التركية بالكامل من الأراضي السورية.
وترسم هذه المحاور أبرز ملامح المرحلة المقبلة، خاصة وأن تركيا قد شرعت بالفعل في ترحيل اللاجئين
) عودة2022 أغسطس 3بشتى الطرق، حيث أعلن نائب وزير الداخلية التركي، إسماعيل تشاتاكلي (
لاجئ اً سوري اً إلى بلادهم “بشكل طوعي”(!)، بالتزامن مع إصدار وزارة الداخلية التركية 358 ألفا و 514
ألف لاجئ سوري، 200 جملة قرارات شكلت عبئ اً على اللاجئين، وتضمنت إيقاف قيود “الكيملك” لقرابة
ألف لاجئ سوري بحجة عدم تواجدهم في أماكن سكناهم، وتنفيذ حملات ترحيل 122 وتعليق قيود
تعسفي طالت مئات السوريين.
صفقة تطبيع إقليمي عبر القنوات الأمنية
على الرغم من محاولة إخــراج الصفقة المرتقبة على صــورة اتفاق ثنائي يتم ترتيبه عبر القنوات
الدبلوماسية؛ إلا أن العملية في حقيقتها هي إقليمية-أمنية بامتياز، حيث تراجع الدبلوماسيون إلى
، وتولى رؤساء أجهزة الاستخبارات الصفوف الأولى في المباحثات التي برز2022 الخطوط الخلفية عام
فيها: رئيس المخابرات الوطنية التركية حقان فيدان، ونائب الرئيس للشؤون الأمنية بدمشق اللواء
علي مملوك، ورئيس مكتب الأمن الوطني اللواء محمد ديب زيتون، ورئيس المخابرات العامة اللواء
حسام لوقا، ورئيس الاستخبارات الروسية سيرغي ناريشكين.
TRTوكان الرئيس التركي قد تحدث عن أهمية المسار الأمني في الملف السوري في تصريح لقناة “
...، معتبر اً أن: “السياسة الخارجية بين تركيا وسوريا مستمرة على مستوى الأجهزة الأمنية2020 عام
يمكن للأنظمة الاستخباراتية أن تقوم بأمور لا يقوم بها السياسيون، عليكم ألا تقطعوا هذا الخيط
تماماً، لأنه سيلزمكم في يوم من الأيام”.
وتحدثت تقارير أمنية غربية عن أدوار مهمة قام بها كل من: مستشار الأمن القومي بالإمارات، طحنون
بن زايد، ورئيس المخابرات العامة المصري، اللواء عباس كامل، ورئيس المخابرات العامة الأردنية، اللواء
أحمد حسني، مؤكدة ً أن المفاوضات تمت بتنسيق مباشر مع تل أبيب، التي تتفق مع موسكو وأنقرة،
)2022 سبتمبر 3على ضرورة الحد من النفوذ الإيراني، الأمر الذي أكدته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، (
قائلة إن تل أبيب أجرت اتصالات مباشرة مع النظام بهذا الشأن.
ولتحقيق اختراق في مهمة التفاوض الشاقة؛ بادر حقان فيدان إلى توظيف شبكة علاقاته الاستخباراتية
الواسعة للضغط على دمشق، واعتمد على وساطات بذلها كل من: سكرتير مجلس الأمن القومي
الروسي نيكولاي باتروشيف، ووزير الدفاع سيرغي شويغو، كما تواصل مع نظرائه في أبو ظبي، وطلب
منهم عرض مشروع “مارشال خليجي” على الأسد في حال موافقته على التعاون في مفاوضات الإصلاح
الدستوري، وحلحلة ملف عودة اللاجئين.
وكشفت تسريبات أمنية من أنقرة عن مطالب تركية بدخول أبوظبي خط الوساطة مع دمشق، بغية
فتح صفحة جديد من العلاقات، تتضمن: الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وتأمين سلامتها الإقليمية،
وضمان عودة جزء كبير من اللاجئين السوريين في تركيا إلى بلدهم.
ودخلت إيران خط الوساطة عندما استضافت جولة من المباحثات بين أنقرة ودمشق في شهر يوليو
الماضي، وقدمت بدورها حزمة شروط، تتضمن: الإقــرار بشرعية كافة القوات المنضوية ضمن قيادة
العمليات الإيرانية في سوريا، والاعتراف بمصالح إيران الحيوية في سوريا، ومراعاة تنفيد الاتفاقيات التي
أبرمتها مع النظام خلال السنوات الماضية، بالإضافة إلى مطالبتها برفع العقوبات.
ولا يزال الموقف الإقليمي مبهم اً في ظل صمت الــدول التي رفضت التطبيع المجاني والعودة غير
المشروطة للنظام إلى الجامعة العربية، باستثناء تسريبات تتحدث عن بذل الاستخبارات الأردنية
جهود اً حثيثة للتوصل إلى: “موقف عربي مشترك يحدد المطالب العربية مقابل التطبيع، دون أن
يكون مجانيا”ً. 
أما في الغرب؛ فقد أكد دبلوماسي أمريكي أن الخارجية الأمريكية (التي كانت الوحيدة بين الدول
الغربية التي أصدرت بيان اً ضد التطبيع): “عملت وتعمل مع باريس وبرلين ولندن للخروج بموقف رباعي
يعلن بوضوح الموقف الرافض للتطبيع”، وأنها ترتب للقاء بين ممثلي الدول الأربع ومبعوث الأمم
يناير الجاري. 23 المتحدة، غير بيدرسن، في جنيف قبل زيارته المرتقبة إلى دمشق في
يناير) لإطلاع المسؤولين الأمريكيين 16-17في هذه الأثناء؛ يعتزم وزير الخارجية التركي زيارة واشنطن (
على تــطــورات الموقف، وعــرض تفاصيل “خــارطــة الطريق” التي ترعاها روسيا في المجالات الأمنية
والعسكرية والسياسية والاقتصادية، بموجب اتفاق وزراء الدفاع وقادة استخبارات روسيا وأنقرة ونظام
الأسد، بما في ذلك الترتيبات المتعلقة بشمال شرقي سوريا، حيث تنتشر قوات أمريكية لدعم “قسد”.
ملامح العملية السياسية
ما لم يتم كشفه بعد؛ هو تفاصيل مباحثات العملية السياسية المزمع تدشينها بعد اللقاء المرتقب
بين أردوغان والأسد، والتي ترتكز على مسودة روسية تتضمن: “الحفاظ على وحدة الأراضي السورية
مع استحداث بعض التغييرات داخل الحدود، بحيث تتشكل حكومة وحدة وطنية على أساس “اتفاق
طائف” سوري تتوزع من خلاله الصلاحيات والمسؤوليات بين المؤسسات ضمن كيان اتحادي، على أن
تضم الحكومة عناصر من “المعارضة المعتدلة”، وأن يتولى بشار الأسد مهمة الإشــراف على تنفيذ
عملية انتقالية تتضمن إقرار دستور جديد، وإجراء انتخابات بلدية ونيابية.
اً
ودار الحديث عن إمكانية منح إقليم الجزيرة، وبعض المناطق التي تضعف فيها سيطرة النظام قدر
من الاستقلالية ضمن الدولة السورية، وعلى رأسها؛ ريف حلب، ومحافظات: إدلب، ودرعا، والسويداء،
وذلك ضمن رؤية لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (يوافقه عليها وزير الدفاع سيرغي شويغو)
تتضمن إنشاء جيوب لحماية بعض الفئات المجتمعية ضمن نظام اتحادي، حيث ترى موسكو ضرورة
المحافظة على قدر من الاستقلال الإداري والثقافي للدروز، وكذلك للأكراد من أجل سحب الورقة الكردية
من يد واشنطن ودفعها لسحب قواتها المتمركزة حول حقول النفط.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن الكرملين قد حصل بالفعل على تعهدات من قبل بعض الدول العربية
بتعزيز جهودها في تمويل تلك الجيوب، مقابل تعاون بشار الأسد الذي ستتم مكافأته بحزمة ضخمة
من مشاريع إعادة الإعمار والتطبيع معه وإعادته إلى الحظيرة العربية.
أما الرؤية التركية فتتضمن تفكيك الوحدات الكردية مقابل: تمكين النظام من موارد النفط وسائر
ثروات مناطق شرقي الفرات، وعودة قواته إلى المعابر والنقاط الحدودية، وعودة المؤسسات المدنية
والإدارية إلى كافة المناطق الشمالية، وإلغاء كافة الأعلام “غير الوطنية” المنتشرة في مناطق المعارضة،
ودمج الفصائل “المعتدلة” ضمن “القوات الرديفة” لجيش النظام، وانتشارها في مناطقها تحت قيادة
غرفة عمليات تتبع للنظام، وإجراء تسويات أمنية لعناصرها على غرار المنطقة الجنوبية، وإيقاف كافة
برامج الدعم التعليمي التركي في مناطق سيطرة المعارضة، وضمان دخول المساعدات.
ولا يمكن فصل تلك الترتيبات عن المباحثات الدولية الدائرة حول إعادة اللاجئين السوريين، حيث التقى
مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، مع وزير الداخلية في حكومة النظام،
) لبحث سبل تهيئة ظروف عودة اللاجئين إلى ديارهم،2022 سبتمبر 13اللواء محمد الرحمون، (
بدعوى أن: “الظروف باتت مواتية لعودتهم”(!)، فيما أكدت وزارة خارجية النظام أن المقداد وغراندي:
“بحثا تعزيز البرامج الأممية في سورية، خاصة في مجال الإنعاش المبكر والكهرباء والمياه، من أجل
تسهيل عودة اللاجئين”.
) تحدث عن تبادل2022 سبتمبر 14وتزامنت تلك الزيارة مع نشر موقع “إنتلجنس أونلاين” تقرير اً (
معلومات استخباراتية بين عمّ ان ودمشق في إطار التنسيق لإعادة اللاجئين السوريين بالمملكة، حيث
يحشد نظام الأسد “جهاز مخابراته للعمل على إعادة اللاجئين من الأردن”، فيما تستنفر مديرية الأمن
العام الأردني لترتيب إجراءات “العودة الطوعية” للاجئين السوريين.
وفي بيروت؛ كلف رئيس الوزراء بحكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، مدير الأمن العام، اللواء عباس
إبراهيم، بتولي ملف اللاجئين السوريين، وأرسل رسالة إلى الأمم المتحدة يؤكد فيها أن “الملف بات
بيد إبراهيم”، فيما يعمل جهاز الأمن العام على ترتيبات ترحيل الدفعة الثالثة من اللاجئين ضمن ما
أطلقت عليه الحكومة اللبنانية اسم “برنامج العودة الطوعية”.
وجاءت مباحثات حقان فيدان مع نظيره في دمشق حول عودة اللاجئين، عقب إعداده خطة تركية شاملة
) لتشجيع مليون ونصف المليون سوري على العودة من خلال تقديم مزايا تشجيعية2022 (أبريل
تزيد من رغبة أكبر عدد ممكن من السوريين بالعودة “الطوعية”.
الموقف في دمشق
أما في دمشق؛ فيبدو الوضع مختلف اً بالكلّية؛ حيث تعاني البلاد من حالة انهيار أمني واقتصادي شامل،
2022 ، وبلغت في نهاية عام2011 بالمائة من قيمتها منذ عام 99,3 بعد أن فقدت الليرة السورية
ليرة سورية مقابل الدولار، بالتزامن مع اشتداد وطأة المعاناة على الأهالي نتيجة انعدام 6920 نحو
نقطة ساخنة 20 المواد الأساسية، ما دفع بمنظمة الأغذية والزراعة “الفاو” لوضع سوريا على رأس
بالمئة، وفق إحصائيات “برنامج الغذاء العالمي”. 90 للجوع في العالم، فيما بلغ معدل الفقر
ولتعويض تلك الخسائر الفادحة؛ عمد النظام إلى مضاعفة أنشطة إنتاج وتهريب المخدرات، ما أدى إلى
من “دولة عبور للمخدرات” إلى “دولة منتجة ومصدّ رة للمخدرات”، 2022 تحوّ ل تصنيف سوريا مطلع عام
بحسب “مكتب منع الجريمة والمخدرات” التابع لمنظمة الأمم المتحدة، فيما أقر ّ الكونغرس الأمريكي
) مشروع قرار يعتبر أن: “الاتجار بالكبتاغون المرتبط بنظام الأسد يشكل2022 ديسمبر 15بمجلسيه (
تهديد اً عابر اً للحدود”.
وفيما تُمعن ميلشيات النظام في ممارسة الفساد والابتزاز الممنهج، وتتولى شخصيات متنفذة من
آل الأسد قيادة عصابات السرقة والتعفيش وقطع الطرق؛ تدرك جميع الأطراف الفاعلة (وعلى رأسها
أنقرة) أن سوريا غير آمنة لعودة اللاجئين، وأن النظام لا يملك القدرة على تنفيذ أي من البنود التي يتم

التفاوض بشأنها، حيث تراقب الاستخبارات التركية الحالة المزرية التي وصل إليها الجنوب السوري بعد
، ولم2018 أن فتحت الأردن الأقنية على أرفع مستوى مع دمشق، ودعمت توقيع “هدنة الجنوب” عام
تتحقق النتائج المرجوة من تلك الاتفاقيات، بل أصبحت الحدود السورية-الأردنية ساحة حرب مفتوحة
بين حرس الحدود الأردني وعصابات تهريب الكبتاغون التابعة للفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، فيما
تُكثّف الميلشيات الإيرانية وجودها في المنطقة، بخلاف ما تم الاتفاق عليه مع عمّ ان، وتعاني محافظة
درعا من الفقر والتدهور الاقتصادي والأمني، ومن تصاعد عمليات الاغتيال والخطف.
وكذلك الحال بالنسبة لمحافظة السويداء التي لا تزال تشهد توتر اً أمني اً دفع بوجهاء الطائفة الدرزية
إلى تدويل قضية دروز سوريا في المحافل الدولية، والمطالبة بتجنيد الرأي العام العالمي من أجل
ضمان عودة الأمن والأمان إلى سكّ ان الجبل عامة.
وفي تعزيز لمخاوف عدم سياسة جدوى التطبيع؛ أكدت مجلة “إيكونومست” البريطانية أنه كان من
المفترض أن تتحسن حياة أبناء سوريا بعد استعادة النظام مساحات شاسعة من المناطق التي
سيطرت عليها المعارضة، إلا أنها أصبحت أسوأ، ليس بسبب العقوبات، أو تفشي فيروس كورونا، أو
انهيار النظام المصرفي في لبنان، أو الحرب في أوكرانيا، بل بسبب: “أكل النظام السوري لحوم أبنائه
ونهب البلاد”.
ونظر اً لحالة التدهور الاقتصادي المرو ّ ع؛ فإن الموقف الرسمي في دمشق لا يبدو متحمس اً لتحمل
تكاليف عودة ملايين اللاجئين، لكنه لا يمانع من استخدام اللجوء والنزوح كورقة ابتزاز، حيث أكد مصدر
مطلع في دمشق أن بشار الأسد غير متحمس للتطبيع مع تركيا، لكنه يمضي في المفاوضات أملا ً في
وسوى ذلك فإنه لا يرى وجود أية مكاسب تُذكر من الاتفاق مع أنقرة. ...الحصول على تمويل إماراتي
ولا يخرج بشار عن نسق سياسة والــده الإقليمية التي ارتكزت منذ سبعينيات القرن الماضي على
دعامتين رئيستين، هما:
- سياسة التأزيم الإقليمي، وتوظيف الميلشيات المنفلتة لابتزاز دول الجوار، حيث عمد النظام إلى1
توظيف الأزمات الإقليمية لابتزاز كل من العراق والأردن ولبنان، كما دعم الأطراف الانفصالية الكردية
لابتزاز أنقرة، ما دفع بالقيادية في حزب العمال الكردستاني، الرئيسة المشتركة للهيئة التنفيذية
) من أن تحالفه2023 يناير 4لمنظومة المجتمع الكردستاني، “بيس هــوزات”، لتحذير بشار الأسد (
مع أنقرة سيكون بمثابة “انتحار”، مؤكدة أنه: “لو رضخ أكراد سوريا إلى الضغوط التركية للانضمام إلى
القتال ضده، لما كان الأسد قد نجا”.
- رفض الالتزام بأية اتفاقيات طويلة الأمد، وتفضيل سياسة “خطوة مقابل خطوة”، التي وُ ضعت2
، وأسفرت1974 أسسها في حقبة مفاوضات حافظ الأسد مع وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر عام
عن حالة مبهمة من “اللاحرب واللاسلم”، وهي الحالة ذاتها التي يتغنى بميزاتها المبعوث الأممي
بيدرسن في جولاته الأخيرة، والتي تتواءم مع مصالح النظام الذي يُبرم مع الأردن ولبنان وتركيا تفاهمات
ويترك مجال تنفيذها وفق ما يتوافق مع مصالحه.
؛ وعدم قدرته على2018 ونظر اً لعجزه عن بسط الأمن في المناطق التي أعادها الروس له منذ عام
تحقيق البنود الأمنية التي تطالب بها أنقرة في الشمال، واستحالة تحمله تكاليف عــودة ملايين
اللاجئين والنازحين؛ فإن بشار الأسد يؤثر المحافظة على حكمه في “سوريا المفيدة” تارك اً دول الجوار
الإقليمي تعاني من تبعات أزمة انعدام الأمن في المحافظات الشمالية والجنوبية، ويُمعن في ابتزازها
بالمخدرات والميلشيات المنفلتة والجماعات الإرهابية حتى تقدم له المزيد من عروض الدعم ومشاريع
إعادة التأهيل.
هل تفضي الأحداث إلى تشكل معارضة جديدة؟
...الشعب السوري غاضب جداً
غاضب من بلوغ الأزمات الاقتصادية والانفلات الأمني في مناطق سيطرة النظام والمعارضة مستويات لا
يمكن الاستمرار في تحمل أعبائها.
غاضب من مشاهد الاحتفاء الإقليمي بنظام إجرامي، ومن اندفاع المجتمع الدولي لمناقشة مصير
ملايين اللاجئين والمشردين مع سفاحي مسلخ الأسد المتصدرين لقوائم العقوبات الدولية، وعلى
رأسهم اللواء علي مملوك، واللواء محمد الرحمون، واللواء حسام لوقا، واللواء محمد ديب زيتون،
وتعذيب اً وتشريداً. ً وغيرهم من الجناة الذين تلطخت أيديهم بدماء ملايين السوريين قتلا
وغاضب في الوقت نفسه من تراكم إخفاقات مؤسسات “المعارضة” الممعنة في الارتهان للأجهزة
الداعمة، والمنفصمة عن القاعدة الجماهيرية، والعاجزة عن مواكبة الحراك الثوري، والتي تكرر فشلها
ح ذي جــدوى في هياكلها المهترئة،لافي تمثيل الصوت السوري، وضيعت سائر فرص تحقيق إصــ
وأحدثت صدوع اً يصعب رأبها.
وغاضب بالقدر ذاته من مواقف الشخصيات التي ساقها حظها العاثر لتولي مسؤولية تلك المؤسسات
إزاء المباحثات بين أنقرة ودمشق، والتي راوحت بين: الصمت المطبق، أو التعلق بتلابيب أنقرة، أو لزوم
خطاب “المحافظة على الثوابت” دون أي مضمون، وإصرار تلك الشخصيات على التمسك بالمناصب رغم
انعدام الخبرة وفقدان الأهلية، وتحوّ ل معظم شخوص المعارضة إلى “محللين” و”نُقّ اد” في غرف الحوار
الافتراضية، أو إلى “معلقين” و”خبراء إستراتيجيين” في القنوات الفضائية، راضين بالمكوث خارج دوائر
الفاعلية والوقوف على هامش الأحداث.
وفيما تغرق الفصائل في غياهب الفوضى الأمنية، والتبعية المقيتة، ويرتهن بعضها لجماعات التطرف
والغلو؛ تتفشى مظاهر الانفلات والفساد، ويشهد الشارع السوري حالة غليان شعبي إزاء حالة العجز
المطبق، فيما تتعالى الأصــوات المطالبة بتشكيل معارضة جديدة تمثل مطالب الشعب السوري
وتقوده إلى بر الأمان.
ويبدو أن الأيام المقبلة تحمل في جعبتها استحقاقات سيتعذر على مؤسسات المعارضة المهترئة
مواكبتها، نظر اً لما تتضمنه من خيارات صعبة، الأمر الذي سيدفع نحو ظهور تشكيلات جديدة تملأ
الفراغ.
ومن الضرورة بمكان؛ ترشيد الحراك السياسي لتقديم البديل الناضج عبر الخروج من دوائر الشللية
والمحاصصة وصراع النفوذ بين التيارات المترهلة، والمبادرة بدلا ً من ذلك إلى ضخ الدماء الشابة، ودعم
الشخصيات التي تتسم بالاستقلالية والنزاهة لتولي مهمة ترميم الجسد المعارض.
ولا يمكن تحقيق ذلك عبر تكرار الصورة التقليدية المتمثلة في: تشكيل توليفات آنية من شخصيات
مكررة، تعقد “مؤتمر اً تأسيسيا”ً، يصدر عنه “بيان”، ويعلن تشكيلة ً من اللجان التي تفقد فاعليتها
بمجرد انتهاء المؤتمر. بل يتعين العمل من خلال مؤسسات احترافية تتولى مهمة توجيه الرأي العام
لو توفرت له القيادة ...السوري (المليوني)، الذي بات أكثر قدرة على الفاعلية والتأثير في القرار الدولي
الناضجة.

المرصد الاستراتيجي
السبت 14 يناير 2023